رضا الظاهر: أحاول الاجابة على سؤال: لماذا كان ماركس على حق؟ إقصاء النساء عن الثقافة من أسباب تميز كتابتهن
نشر بواسطة: mod1
الأربعاء 17-12-2014
 
   
أجرى الحوار: سعدون هليل

في سياق منهجيته يمارس الكاتب والباحث رضا الظاهر عملية إعادة نظر، إعادة قراءة، رؤية الماضي بعيون جديدة والدخول الى نص قديم بعقل نقدي جديد. وفي هذا الحوار يلقي أضواء على أسئلة الثقافة والديمقراطية والأزمة الثقافية. ويقدم وجهة نظر في مفهوم ما يسمى "الأدب النسوي". ويرسم صورة وجيزة لمشروعه الموسوم (مساهمة في إعادة قراءة ماركس) ..

الثقافة والديمقراطية

لنبدأ بسؤال الثقافة .. هناك علاقة وثيقة بين الثقافة والديمقراطية. وقد درست في أبحاثك، من بين اشكاليات أخرى، هذه المسألة. هل يمكن إضاءة الموضوعات الأساسية في هذا السياق؟

الديمقراطية هي شرط ازدهار الثقافة، وهي عنصر داخلي في المعرفة يمنحها سمة اجتماعية، ويؤكد القبول بالنقد والاجتهاد والاختلاف والتعددية والحوار، وبالصراع الذي هو أساس تجدد المعرفة.

وترتبط الديمقراطية بضرورة الاعتراف بحقيقة التعدد والاختلاف والتنوع والاجتهاد ، وهو بالنسبة لمجتمعنا المتعدد الثقافات (عربية، كردية، تركمانية، آشورية ... الخ) مسألة جوهرية في إطار التفاعل بين هذه الثقافات ومقدمة ضرورية للحوار الذي يشكل جوهر الممارسة الديمقراطية.

وبما أن كل مشروع سياسي لابد أن يستند الى مشروع ثقافي، فان الديمقراطية هي الأساس الذي ترتكز عليه هذه العملية في صياغة مشروع نقدي يتمثل في إعادة انتاج العلاقات الضرورية بين الفكر والأخلاق والسياسة، التي تسعى، من بين غايات أخرى، الى صياغة نموذج الفرد ذي التفكير الديمقراطي.

وفي إطار اشكالية العلاقة بين الثقافة والديمقراطية تقف موضوعة العلاقة بين المثقف والسلطة والجسور التي تمتد بينهما في حالات وتنقطع في أخرى.

إن السياسي يمتلك السلطة أو يسعى الى امتلاكها، وبذلك يمتلك وسائل المال والقمع، مقابل المثقف الذي لا يمتلك غير صوته الذي قد يفقده في ظل الاستبداد أو لا يسمعه أحد وسط هدير مدافع السلطة، بينما يتسم العمل الثقافي بتأثير بطيء ومحدود وطويل الأمد.

وبما أن الدولة، وهي مؤسسة طبقية سياسية قمعية، تعبر عن علاقات الانتاج السائدة في المجتمع، فانها تسعي الى ممارسة سلطتها باعتبارها التعبير السياسي عن مصالح المجتمع بأسره. وتمارس الدولة سلطتها بوسائل المال والقمع والآيديولوجيا.

وعلى الرغم من الدور الفاعل الذي تلعبه الآيديولوجيا ويمارسه المثقفون حاملو المعرفة في إدارة الدولة وتوجيه المجتمع، فان المثقفين ليسوا، في هذا الاطار، القوة المهيمنة في بنية الدولة. فهذه القوة تتمثل في مالكي وسائل الانتاج، وهؤلاء المالكون هم وحدهم المقررون والمتحكمون بسائر الشؤون، وهذا هو أحد مصادر الاشكالية بين ما هو سياسي وما هو ثقافي داخل بنية الدولة والمجتمع. وتدرك الدولة أن لا سلطة سياسية وقانونية لها من دون سلطة ثقافية، ومن هنا أهمية وخطورة الآيديولوجيا.

ولكن النظام الاستبدادي يشوه وظيفة المعرفة وسمتها الاجتماعية ويحولها الى وظيفة لانتاج وإعادة انتاج علاقات الاستبداد. ويسعى هذا النظام الى تحقيق نخبوية المعرفة عبر انتاج وإعادة انتاج التجهيل، وتحويل المعرفة الى وسيلة لتبرير آيديولوجيا الاستبداد.

وتسعى السلطة الى إلغاء كل معرفة نقدية مستندة أولاً الى أجهزتها الايديولوجية والاعلامية والمال السياسي، فان لم تفلح تنتقل من القمع الفكري الى القمع السافر، وقد يترافق النمطان من القمع اذا ما استدعت الضرورة ذلك.

ولأن النظام الاستبدادي يقوم على الوحدانية، فانه يعتبر نفسه المرجع الوحيد لكل معرفة ممكنة، ويصبح دور المعرفة البرهنة على أن شرعيتها الوحيدة هي الدفاع عن شرعية الاستبداد، بحيث يصبح الاستبداد خروجاً عن قوانين المعرفة. وهذا ما يجعل المعرفة آيديولوجيا استبدادية، أو يجعل الاستبداد قائماً في عملية المعرفة، ذلك أن الاستبداد لا يسمح بانتاج المعرفة ولا بممارسة ديمقراطية داخل عملية المعرفة.

أزمة ثقافية

تحدثت، في أكثر من موضع، عن "أزمة ثقافية في العراق". هل يمكن تشخيص عناصر هذه الأزمة وتجلياتها وسبيل الخروج منها؟

في ما يتعلق بالأزمة الثقافية (وهي جزء من الأزمة الاجتماعية) يمكننا الاشارة، من بين عناصر عدة، الى:

_ "غياب" (هو، في الجوهر، تغييب) لدور المثقفين يعكس الخلل في موقف النخب السياسية من المثقف وابداعه.

_ غياب الدعم الحقيقي من جانب الدولة ومؤسساتها للنتاج الابداعي، وتخلي الدولة عن مسؤوليتها في انشاء البنى التحتية للثقافة وتوفير شروط ازدهارها.

_ عواقب الدكتاتورية وحروبها واستبدادها، وآثار الاحتلال وسياساته المتخبطة والفوضى التي خلقها، ويأس المثقفين من السياسيين الذين لا تحتل الثقافة مكانتها اللائقة في أنماط تفكيرهم وبرامجهم.

_ معاناة المثقفين من تأثير ثقافة الاعلام واحساس المثقفين بالتهميش على يد الحكام المتنفذين واستمرار نظرتهم الأحادية التبسيطية للثقافة الابداعية وتصوراتهم الشعبوية المبتذلة في فهم دور المثقف وخصوصيته.

_ انسحاق المثقف تحت وطأة الاحساس بالاحباط والعزلة وطاحونة اللهاث وراء العيش على نحو يستنزف طاقته الابداعية.

_ ومادامت هناك منهجية محاصصات لا يمكن الثقة بأن أزمة الثقافة (والأزمة الاجتماعية من باب أولى) يتيسر حلها. وكل تفكير بمثل هذه الامكانية في اطار المحاصصات هو مجرد ضرب من الأوهام التي يتعين علينا أن لا نبقى أسراها اذا ما أردنا فهم الواقع حقاً وتغييره فعلاً.

وفي سياق تحليل الأزمة الثقافية لابد من النظر في مصائر الطبقة الوسطى. فقد تعرضت هذه الطبقة، وهي حاملة مشعل التنوير وحاضنة مشروع الديمقراطية والمدنية، الى "غيبات" عدة. واتضحت ملامح هذا الغياب منذ اشتداد الاستبداد ونشوب الحروب والحصار وعواقب ذلك. واضمحل دور الطبقة الوسطى منذ أوائل الثمانينات بوجه خاص ومايزال في فترة مابعد الاحتلال وحكم المحاصصات. وأدى هذا الغياب الفاجع، من بين أمور أخرى، الى تحول في البنية الاجتماعية وانهيار في القيم الثقافية وسيادة للانحطاط الروحي في المجتمع.

غير أنه وسط هذه المأساة الطاحنة يواصل المثقف التحدي ليثبت أنه قادر على تعريف دوره وتجسيد هذا الدور في خلق انجازات ابداعية، ومساعٍ الى تعميم ثمار الثقافة الجمالية، ومواقف سياسية مضيئة تقاوم الظلام والتخلف والخنوع وغسيل الأدمغة، وتنشر روح العقلانية والتنوير.

مفهوم "الأدب النسوي"

درست، في كتب ثلاثة هامة لك، موضوع (العلاقة بين الأدب المرأة) .. ولاحقت مصائر الكاتبة والشخصية النسائية في الرواية. هناك التباس في ما يتعلق بمفهوم "الأدب النسوي". ماالذي يمكن أن تقوله في هذا الشأن؟

في محاولته الاجابة على أسئلة علاقة النساء بالأدب اعتمد النقد النسوي على الانثروبولوجيا الثقافية، والماركسية، واللسانيات، والنظرية السايكو تحليلية، والبنيوية، والتفكيكية، ونظرية الخطاب كأدوات مهمة في التحليل. وتحول المسار الفكري للنقد النسوي، خلال العقود الأربعة الماضية خصوصاً، من التركيز على تبعية النساء الأدبية الى المقاربة النسوية للأدب، ودراسة كتابة النساء، وتحليل بنية الجندر وتجسيدها في إطار الخطاب الأدبي، الأمر الذي تطلب إعادة تفكير جذرية في الأسس المفاهيمية للدراسة الأدبية.

وفي الخطاب النقدي العربي نجد قصوراً واضحاً في التنظير لظاهرة كتابة النساء من منطلقات معرفية. بيد أن هذا القصور لا يصح أن يكون مبرراً لنفي الظاهرة. ومن ناحية أخرى يتوافق هذا القصور، وغياب التصورات النقدية المنفتحة والقادرة على طرح أسئلة معرفية، مع حقيقة اختراق البطرياركية كل مجالات حياتنا، وخشية بعض الكاتبات، جراء هذا الاختراق، من تهمة إلصاق الدونية بهن، والرغبة في انتحال موقع الكاتب.

إن شعور المرأة، في مرحلة مبكرة من الوعي، بسطوة الثقافة الذكورية السائدة، يضطرها الى استخدام أساليب هذه الثقافة، ومحاكاة نتاجاتها في مواجهة هيمنتها. وتكتشف المرأة، بتطور وعيها عبر الصراع، أن الثقافة السائدة تتعامل معها كموضوع. وفي مرحلة نضح الوعي تتحدى كتابة النساء الأفكار الجاهزة والمسلمات، ويؤدي اتساع مشاركة المرأة في الفضاء الثقافي الى ظهور صوت مغاير لصوت الثقافة السائدة. ومن الطبيعي أن تشعر الثقافة السائدة بخطر هذا الصوت القادم، الجديد، المختلف.

ومن الطبيعي أن حديثنا عن خصوصية كتابة النساء لا يعني الحديث عن الفوارق البيولوجية، حيث يرى البعض أن المرأة أقدر على تناول القضايا الخاصة بها. كما أن الاعتراف بواقع سيادة الثقافة الذكورية لا يعني، بالضرورة، وجوب ابتداع ثقافة أنثوية. وإن القول بوجود خصائص معينة لـ "كتابة نساء" لا ينبغي أن يؤدي، بالضرورة، الى طرف آخر من ثنائية مفترضة، أي الى كتابة رجال. فوضع النساء الاجتماعي واقصاؤهن التاريخي عن الثقافة هو الذي يحدد تميز كتابة النساء. أما الوقوع في هذه الضدية الثنائية التبسيطية فيعني عدم الاعتراف، أساساً، بوجود قضية خاصة للنساء.

صحيح أن التقسيم بين المرأة والرجل تقسيم اجتماعي وليس تقسيماً فنياً، لكن التقسيم الفني ليس تجريداً محلقاً في الهواء، وشروطه ليست منعزلة عن الواقع، وانما مرتبطة بالتقسيم الاجتماعي والثقافي. وبالتالي فان اختلاف عالم المرأة عن عالم الرجل هو الذي يحدد خصوصية إبداع المرأة وتعبيرها الذي يختلف عن تعبير الرجل.

وغني عن القول إن مفهوم الخصوصية لا يفترض فصل الابداع على أساس جنسي، أو التحدث عن وجهة نظر امرأة ووجهة نظر رجل في إطار التضاد. والحق إنه ليس هناك، بمعنى ما، مكان لـ "وجهة نظر امرأة". هناك وجهة نظر انسانية يحدث دائماً أن تكون وجهة نظر ذكورية.

واذا كانت الكتابة فعلاً انسانياً غير محصور في جنس معين، وانما يرتبط بقيمة الابداع الفنية، سواء كان من يمارس هذا الفعل رجلاً أم امرأة، وهي قيمة لها سماتها وقواعدها العامة المحددة، فان هذا لا ينفي الخصوصية المرتبطة بانعكاسات جنس الكاتب وآثار الظروف المادية والسايكولوجية على عملية الكتابة.

ويعكس ظهور عدد كبير من الكاتبات خلال السنوات الأخيرة، مترافقاً مع عدد كبير نسبياً من الباحثات، من بين أمور أخرى، سعي المرأة الى الخروج من مأزقها الثقافي. ويدل هذا الفيض الهائل من النقاشات حول كتابة النساء والاشكاليات المرتبطة بها، ومنه ما لا يخلو من التباسات وتبسيطات ونوازع نفعية ضيقة وتناول إعلامي، على حيوية هذه المسألة.

رحلة عطاء

لو طلبنا من رضا الظاهر تقييم رحلة عطائه، فمن أين يبدأ؟ والى أين ينتهي؟

هل آن الأوان لمثل هذا التقييم؟ هل أستطيع القيام بمثل هذه المهمة؟ ليحمل غيري هذه المشقة لعل رؤيته تكون انتقادية ومنصفة بشأن ما أنجزته، وهو انجاز متواضع في كل حال .. غير أنني سأشير، بوجيز الكلام، الى محطات هامة لم أصل، بعد، الأخيرة منها !

من أين ابتدأت؟ ربما من سجن الحلة عندما كتبت هناك أول قصيدة لي أوائل عام 1964، وكنت في الثامنة عشرة (كان ذلك قبل نصف قرن !)، وأرسلتها بيد شقيقتي الكبرى التي جاءت تزورني بعد أن فتحوا أبواب "المواجهات" للعوائل في حينها بعد سقوط حكم البعث الأول، فوجدتها منشورة بعد ثلاثة أسابيع في (ملحق الجمهورية الأدبي) الأسبوعي. هل بدأت من هناك؟ ربما .. مع أن أجواء الكتب والثقافة والسياسة لم تكن غريبة عن البيت الذي نشأت فيه.

كانت رحلة طويلة عبر عقود من زمن شاق وملتبس. لا أريد أن أتحدث عن تسلسل تاريخي، غير أنني أود أن أشير، من بين أمور أخرى، الى أن انغماري في النشاط السياسي كان على حساب نتاجي في ميدان جماليات الأدب والفن، ولم أكن في هذا مختلفاً عن كثير من رفاقي وأصدقائي وأبناء جيلي من الكتاب، الشيوعيين واليساريين على وجه التحديد. لكنني لم أنقطع أو أتوقف عن النشاط الابداعي حتى في سنوات الثمانينات حين كنت في صفوف حركة الأنصار في جبال كردستان.

وعلى أية حال بوسعي القول إنني استطعت، وسط هذا الانغمار والصعاب ومرارات المعاناة، أن أحقق بعض الانجازات المتواضعة. وقد تميزت فترة السبعينات والثمانينات باشتغالي على الترجمة، فأنجزت، في هذا الحقل، أربعة كتب هي: (الدون الهاديء ليس هادئاً)، و(جماليات الصورة الفنية)، و(الوعي والابداع _ دراسات جمالية ماركسية)، و(الثقافة الروحية والتفكير الجديد). وكتبت ونشرت المئات من المقالات، وبينها بشكل خاص، مقالات في نقد الرواية. ولعل من بين ما أعتز بانجازه، وأعتبره مشروع العمر الأول، كتبي الثلاثة في موضوع العلاقة بين الأدب والمرأة (الصادرة عن دار المدى)، وهي: (غرفة فرجينيا وولف - دراسة في كتابة النساء)، و(الأمير المطرود - شخصية المرأة في روايات أميركية)، و(أمير آخر مطرود - شخصية المرأة في روايات بريطانية). في الأول درست المرأة ككاتبة، وفي الثاني والثالث درستها كشخصية في الرواية. كما أنجزت كتابي (موضوعات نقدية في الماركسية والثقافة) حيث قدمت قراءة جديدة في مفاهيم الثقافة الجمالية، والعلاقة بين الثقافة والسياسة، وقضايا اشكالية أخرى. وألفت كتابي الموسوم (النسر المحلق - تأملات في مثال روزا لوكسمبورغ) وفيه حاولت إعادة الاعتبار لهذه المفكرة اللامعة والثورية البارزة. وقد توفر لي أن اصدر خمسة كتب ضمت الأعمدة الأسبوعية التي كنت أنشرها كل ثلاثاء في "طريق الشعب" على مدى تسع سنوات تحت عنوان (تأملات).

وهناك مشاريع وأبحاث أخرى أواصل العمل فيها، وبينها (نساء إبسن) وهو دراسة للشخصيات النسائية في أعمال المسرحي الكبير، و(أنّا كارنينا ومدام بوفاري) وهو دراسة مقارنة بين هاتين الشخصيتين المميزتين في تاريخ الرواية واللتين أبدعهما تولستوي وفلوبير. غير أن المشروع الأهم الذي أشتغل عليه منذ سنوات (وإن بشكل متقطع للأسف) هو الذي يحمل عنوان (مساهمة في إعادة قراءة ماركس)، وأعتبره مشروع عمر ثانٍ !

مشروع العمر الثاني

هل يمكن إضاءة الخطوط الرئيسية لهذا المشروع الحيوي الهام، مشروع إعادة قراءة ماركس؟

يتعين علينا البدء بالقول إن ماركس يعود بقوة منذ بداية تسعينات القرن الماضي بشكل خاص. ومما له دلالة بليغة أن صحيفة "التايمز" اللندنية قد تطرقت للأزمة الاقتصادية بنبرة تهكمية عندما استعارت صيغة عبارة "يا عمال العالم اتحدوا" التي افتتح بها ماركس كتابه "بيان الحزب الشيوعي"، وحولتها الى "يا مصرفيي العالم اتحدوا" !

وقال يورن شوترومف مدير دار ديتز للنشر المعروفة إن الاقبال على كتب ماركس منقطع النظير، مشيراً الى أن ذلك قد يكون "محاولة للبحث عن حقيقة العولمة والرأسمالية"، ولا سيما في أعقاب الأزمة التي ضربت الاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة.

وأفاد بأنه "يرصد العودة إلى قراءة ماركس بين الشباب"، مشيراً إلى أن "اقتناء كتبه أصبح ظاهرة بين الأجيال الصاعدة".

ولكن الناشر ختم حديثه لوكالة الأنباء الفرنسية أواخر تشرين الثاني 2008 بالقول إن "مجتمعاً يشعر مجدداً بضرورة قراءة ماركس هو مجتمع لا يشعر أنه بخير".

ومن الطبيعي أن الشخص المغفل وحده هو الذي يحمل ماركس المسؤولية عن معسكرات الاعتقال الستالينية وجرائم بول بوت. غير أن هناك أدوات جاهزة للمغفلين والمغرضين، اذ يماثلون منهجيته بمنهجية ستالين، مستخدمين حق أن "الشجرة تعرف بثمارها" ليراد به باطل (هل ينبغي أن نتهم نوبل بجريمة هيروشيما؟).

وبعد انتهاء الحرب الباردة و"الانتصار الجلي" على ماركس، أعلن البعض عن أننا وصلنا الى ما أسماه فوكوياما "نهاية التاريخ". فقد باتت الشيوعية ميتة شأن ماركس نفسه، وما جاء في (البيان الشيوعي) من أنه "لترتعش الطبقات الحاكمة من الثورة الشيوعية. فليس للبروليتاريا ما تخسره سوى أغلالها لتكسب عالماً بأسره .. يا عمال العالم اتحدوا !" بدا مجرد شيء ينتمي الى الماضي.

ويقول البعض إن ماركس مات بالتأكيد. ولم يكن هذا "الاستنتاج" جديداً، فقد جاء على لسان الايطالي بنيديتو كروتشه منذ عام 1907، وبالتالي فان عمره يزيد على قرن. ولعل المرء يشير الى هذا ليذكّر بأن حفاري قبر ماركس، الفلاسفة الجدد من أمثال فوكوياما، لديهم الكثير من الأسلاف وسيكون لديهم الكثير من الأحفاد. ولا يجدر بالمرء أن يبدد الكثير من الوقت ليدحض مواعظهم الجنائزية المأجورة.

غير أنه من الهام هنا أن يميز المرء بين الماركسية التي نسعى الى إحيائها وتطويرها، و"الماركسية" التي لا نشعر بالندم على موتها ودفنها. والحق أن ما انتهى في الاتحاد السوفييتي كان الماركسية التقليدية الجامدة. فالأفكار الماركسية ظلت حية، متجاوزة الممارسة السياسية "الماركسية". ومن الغريب التفكير بأن أفكار لوكاتش وغرامشي وبريخت لم تعد حية لأن الصين تتجه نحو الرأسمالية أو لأن جدار برلين سقط. ومن باب المفارقة أن هذا لا يعكس سوى ذلك النمط من النظرة الميكانيكية للعلاقات بين الثقافة والسياسة التي كانت الماركسية "المبتذلة" نفسها متهمة بها في الغالب.

قد يبدو البحث في إعادة قراءة واكتشاف ماركس من باب "البطر". فمن يبحث في ما لم يعد ذا صلة بالواقع؟ غير أن هناك تطوراً في أواخر التسعينات، فقد تجدد الثناء على ماركس فجأة باعتباره عبقرية من جانب الرأسماليين البرجوازيين القدامى أنفسهم. وتجلت الدلالة الأولى على إعادة تقييمه في أكتوبر 1997، عندما ظهر عدد جديد من (النيويوركر) واصفاً كارل ماركس بـ "المفكر الأعظم المقبل"، انسان لديه الكثير لنتعلم منه بشأن الفساد السياسي والاحتكار والاغتراب والجور الاجتماعي والأسواق العالمية.

هناك، في الواقع، الكثير والكثير مما يمكن إيراده لاضاءة حقيقة عودة ماركس، الذي أختير فيلسوف الألفية الثانية، ولكن مجاله لا يتسع هنا.

أما مشروعي فهو، بايجاز، محاولة متواضعة للعودة الى ينابيع الماركسية وإعادة قراءة ماركس بمنهجيته ذاتها في مسعىً لاضاءة قضايا أساسية بينها: منهجية ماركس، نقد الرأسمالية، المفهوم المادي للتاريخ، الديالكتيك، الفلسفة السياسية والأخلاقية، الديمقراطية والدولة المدنية، الآيديولوجيا، مفهوم الاغتراب، وجماليات الأدب والفن.

وفي سياق ذلك سأحاول الاجابة، من بين أسئلة أخرى، على سؤال: لماذا كان ماركس على حق؟ بقصد تشخيص وتفنيد الانتقادات (التشويهات) الأكثر شيوعاً، وبينها: انتهاء صلة الماركسية بالحياة وعدم راهنيتها، ودفاعها عن الفعل السياسي العنفي، وطوباويتها وجبريتها التي تنكر الفردية والارادة الحرة، وخلو رؤيتها من الروح الانسانية، واختزالها كل شيء الى اقتصاد !

إغناء الجماليات الماركسية

أخيراً .. وليس آخراً .. ماذا بشأن الجماليات الماركسية؟

من الطبيعي القول إن ما نجده في أعمال ماركس من تحليلات وإشارات الى أعمال أو ظواهر فنية لا يصل، على الرغم من أهميته الفائقة، الى نظرية جمالية منظومة. فهذه النظرية تبلورت ملامحها لاحقاً على يد طائفة من الفلاسفة والباحثين والنقاد الماركسيين الذين ساهموا مساهمة كبرى في بلورة وإغناء الجماليات الماركسية. ويتعين، في هذا السياق، إضاءة عدد من القضايا الإشكالية. فالسعي الى التنوير من نصوص الماضي ممارسة مثيرة للمفارقة. إن تفحص الماضي لا يمكن أن يكون صحيحاً (أو غير صحيح) وفقاً لمعايير مؤلفي الماضي. فماركس كما كان هو ل?س الحكم على البحث الراهن حوله أو حول أي شيء آخر. إننا نتحدث عن المنهج الماركسي ولا نتوقف عند حدود ما حققه ماركس.

كان ماركس ثورياً على أية حال: "لم يفعل الفلاسفة سوى أن فسروا العالم، بينما تكمن المسألة في تغييره" كما ورد في الموضوعة الأخيرة والأكثر أهمية من (موضوعات حول فورباخ). وما الذي يمكن أن يكون أكثر "تأويلاً" وأكثر بعداً عن النظرية والممارسة الثوريتين من المسائل التقليدية للجماليات: ما الفن؟ ما الجمال؟ ما التجربة الجمالية؟ (على سبيل المثال لا الحصر). ويبدو أن هناك مغزى سياسياً بل وثورياً في أن ماركس وجه رؤيته وجهة أخرى.

لم يقل ماركس سوى القليل بشأن القضايا الجمالية، لكن هذه القضايا كانت داخلة عميقاً في تفكيره على نحو أكثر شبها بالبديهيات والافتراضات منها بالمشكلات التي يواجهها المرء على امتداد الطريق. ونحن نتعامل مع المناخ هنا وليس مع النظرية. ولكن المناخ صعب الاكتشاف والملاحظة لأننا غير معتادين على تركيبه الدقيق. ومن الناحية الفلسفية والبديهية نحن مستعدون لرؤية المسائل الجمالية وفي الواقع القضايا الثقافية عموما باعتبارها أشياء منفصلة عن مسائل الاقتصاد والسياسة والثورة. وقد أراد ماركس من ناحية أخرى، على الأقل في لحظاته الاكثر ديالكتيكية، المساهمة في اللحظات الثقافية والعملية، وهذا هو الذي جعل من الصعب تحديد موقع تفكيره الجمالي. فنحن لا نراه لأننا ننظر الى المكان الخطأ ونسعى باتجاه النمط الخاطيء من الأمور.

وتساعد مثل هذه الموضوعة على توضيح ما يمكن أن يبقى غامضاً: تعقيد وغنى وقوة الجماليات الماركسية منذ عصر ماركس خصوصاً في الربع الأخير من القرن العشرين. ومن السليم، بالتأكيد، القول إن الماركسية هي الآن إحدى النظريات الجمالية الرئيسية، خصوصاً النظريات الأدبية، وإنه ليس من غير المبرر الاشارة الى أن النظرات الماركسية غيرت على الدوام، أو على الأقل لفترة طويلة جدا، الطريقة التي تقدمت بها فلسفة الفن والنقد الفني. ولتلك الحقيقة المذهلة علاقة وطيدة بأهمية البعد الجمالي في عمل ماركس.

ومن الطبيعي أن المسألة الكبرى بالنسبة لماركس، وهي تراجيديا التاريخ البشري، تتمثل في أننا نقوم في معظم الأحيان بتشويه هذه العبقرية الابداعية حتى عندما نستخدمها. وهذا هو جوهر فكرة الاغتراب.

لقد ظل التوصل الى فهم للكيفية التي تعمل بها الجماليات الماركسية قضية رئيسية تشغل الباحثين منذ ماركس. وهذه قصة طويلة ومعقدة ترتبط بالوظائف الجمالية والآيديولوجية والأخلاقية والسياسية للفن. ويمكن القول إن النتاجات الجمالية مليئة، في نهاية المطاف، بالتناقضات والالتباسات..

 
   
 

نور الشمس

رائع سلم اطرحك




 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





 
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الخميس 10-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة "سلام عليكم "
الثلاثاء 25-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced