ســــــــــــــــيدة الشـــــــــــــــرفة
نشر بواسطة: Adminstrator
الثلاثاء 29-03-2011
 
   
فيحاء السامرائي
أصص لورود جيرينيم  بألوان مختلفة، حمراء ووردية وبيضاء وصفراء، تتراص على حافة عريضة لشرفة واسعة، تطل على شارع مزدحم بمارّين وسيارات، فيه مقهى صغير، يرتاده زبائن مزمنون، اعتادوا شرب فناجين قهوة وكاسات شاي، والتحدث بأمور شتى ولعب الدومينو والنرد كل يوم...
عند سياج الشرفة، تجلس سيدة وتتنصت الى أحاديث زبائن المقهى...تتصفح وجوهاً عديدة لجالسين وواقفين وقادمين...تراقب رجلاً بديناً لاهثاً دائماً، يعيقه كرش متكور عن جلوس طبيعي، يتكلم عن أوجاع ظهر ومفاصل وقلب، وينعت أطباء بنصابين وجهلة، وعلاجهم غير مجد...تعرف آخراً طويلاً ونحيفاً يحرص على إخفاء صلعه بقلب شعرات طويلة من خلف رأسه الى مقدمته، يشكو دائماً من تغير طقس ورياح ربما لأنها ترجع ما تقدم من شعره الى الوراء...وتتطلع الى آخر بنظارة طبية سميكة وضحكة ناعمة لا تتناسب مع ضخامته...ورجل آخر بذقن بارزة، لا يكفّ عن التدخين ثم يروح في نوبة سعال، لايبرأ منها حتى يطبطب على ظهره من يكون بجانبه...وآخر يشبه ديك رومي كهل، يهزّ رجله من تحت الطاولة فتتحرك قدمه التي تشبه خف جمل، بعصبية وبآلية منفرة...وآخر طاووس، أوسعهم معرفة وفهماُ، يتصور حاله جهبذ لايُفحم، أسطون من الأساطين، لا يملّ ولا يكلّ من ترديد كلمة (أنا) في بداية كل حوار...وآخر وآخر...كلهم يتحاورون ويشتكون ويتحادثون دون كلل.
تحرص السيدة أن لا يفوتها كلمة من أحاديثهم واهتماماتهم وملامح شخصياتهم...ترصد متى يأتون ومتى يذهبون الى بيوتهم، وهي منزوية في طرف شرفتها...تغفل أحياناً عن مراقبة شقة فارغة مجاورة لها، لمعرفة من سيشغلها، وتمضي يومها في متابعة ما يجري في المقهى والى ما يتفوه به روادها...
شدّها اليوم ماقام به أحد الزبائن، حين صافح رجل آخر ضئيل منكمش في بدلته، و بارك له قراره في البحث عن شريكة لحياته بعد طول عزوف وعزوبية:
- وأخيراً...مبروك
يقاطعه رجل آخر ضاحكاً:
- لا يا رجل، ماهذا؟ هل ضقت ذرعاً بالحرية؟
(هل حقاً يريد بقايا الرجل هذا الزواج؟...ماذا كنتَ تنتظر أيها القميء المنكمش؟...كلا، انه ليس قميئاً جداً، رغم أن له أنفاً  كبيراً يشبه ثمرة كمثرى، وشعر مناخير طويل أشيب، يتحد مع شوارب كثيفة غير مشذبة، ويبدو على تخوم عقده الستين...
لو تقدم لي أرفضه دون تردد، يكفي أنه غائص في بدلته الواسعة، وعليّ بذل جهد في البحث عنه داخلها، ولا يعجبني أبداً ذوقه في ما يرتديه، وفي الخصوص لفّاف صوفي ملون طويل، يحافظ على وضعه حول عنقه، ويلف ثلاثة ممن يسيرون بجانبه، لو يرميه حول رقبته.
كلا ، كلا...لو قدّر لي أن أختار، لأخترت متقاعداً وسيما يملأ ثيابه، عضلاته، أو ما تبقى منها، مفتولة، والى حد مقبول، يكسو ساعديه شعر كثيف، حليق الشارب، يعتني بصبغة شعر بلون فضي كمشاهير السينما الكبار، ويحرق قلوب عوانس ويخلب لب سيدات ناضجات، لو غمز بطرف عينه...
أقبله، بشرط لا اتنازل عنه، وهو أن لا يكون مغروراً وخاوياً من رومانسية أخّاذة، عاجزاً عن همس كلمات مشوبة بعاطفة ساحرة تحت ضوء القمر...هكذا يخذلني، لو كان لا يحفظ لحناً وشعرا، ولايحمل زهرا،ً ولا يهدي علبة شيكولاتة على شكل قلب، بل ربما يبخل عليّ بهداياه.
بلى...أجمل ما في الرجل رومانسيته، لن أرفض رجلا عاشقاً أبداً، رجلاً  يحبني وينسيني مناماً وطعاماً، ونعوم سوية في براكين غرام...ولا يحيد بنظره عني حتى لو تتساقط صواعق ونيازك من الفضاء، وينهمر ثلج أوحمم براكين، لا يبالي بأي شيء ويظل يسمعني كلام هيام وشوق، يأتيه تسونامي ويجرفه، ويظل يصيح: أحبكككككـ...آه...أهوى العاشق المعتوه المتهور...
مهلا...هذا الروميو، سيقضي جلّ وقته مغازلاً طروباً لايكدّ ولا يعمل، كيف سنعيش هكذا؟ هل سنقتات خيالاً وأحلاماً وأشعاراً؟ قليل من واقعية مطلوب...أليس كذلك؟
لاريب...على الزوج أن يكدّ ويشتغل ويكسب، يصلّح ويرمم ما تلف، أريد رب بيت عملي، يحافظ على بيته دون حاجة للجوء الى سمكري أو مصلّح أو بنّاء...بلى، أكون أنا سيدة بيت لا ينقصه شيء...
غير أنه سيكون جاثماً على نفَسي ليل نهار، لا يفارق الدار، ويفتقر لأصدقاء، وينتهي فاقداً لحضور اجتماعي مرغوب...هو بالتأكيد ليس كما ذاك الجالس يصغي اليه جمع متحلق حوله...آه...ما أروعه!...ما أجمله وهو يتحدث بثقة عالية ولباقة بارعة تثير إلإعجاب، هاهو يحرك يديه ويغيّر من قسمات وجهه لتتناسب مع ما يقول، يسرد أخباراً ويروي مشاهدات ويعرض معلومات فضفاضة، ويحتدّ على من يخالفه الرأي، رأيه وحده هو الصائب...
ما أدراني وهو يستعرض عضلات ثقافية، إن كانت معلوماته دقيقة...أعرف هؤلاء المثقفين وأنصافهم، لا يمارسون في حياتهم ما قولونه، يظهرون جمالاً وكمالاً، ويخفون قبحاً واختلالا، ابتلي العالم بازدواجيتهم...
كلا، كلا...انه ليس شخصي المناسب...من ذاك الرجل الوحيد المنعزل؟ يأتي هنا لأول مرّة...
كم هو رصين ورائع!..يعتكف في ركن هادىء ويقرأ!...ربما هو شاعر أو كاتب مشهور، له كتب عديدة مثيرة للجدل لا الملل، وربما جوائز لمؤلفات ومحبة لمعجبين...ها هو فارس أحلامي...يشير الناس اليه بالبنان، ويتألق اسمه في صحف ومجلات ووسائل إعلام...لمّا أعاشره، أجده منكبّاً على أوراقه في مكتبه، يؤلف ويكتب، يفرّغ خلاصة تجاربه وفنه لقرّاء ونقاّد، وينعزل عن ناس، ويزهد في حياة وملذات...أجلب له قهوته فلا يرفع نظره اليّ ولاحتى يجيبني، يؤشر برأسه فقط، وأفهم أنا: ضعيها على الطاولة واذهبي كي لا ينقطع حبل السرد...أهرع خارج الغرفة حرصاً على حبله هذا، لكن حين ينقطع حبل الغسيل أكون بمفردي لأعالج الأمر، وأقطع حبل أفكاري لما أريد البوح بأمر، له عمل أدبي تزوج منه، أهم من حياته الخاصة... كلا...كلا...
هل أعود وأقبل بذلك القمىء الغاص في بدلته الواسعة؟...أو ربما أرضى بذلك الذي لا يكلّ ولا يملّ حديثاّ عن السياسة...سمعته يكرر مصطلحات مثل الاشتراكية والعدالة، وأعطني نظرية سياسية سليمة أعطك مجتمعاً سليماً، قهوته ثورية حين يستطعمها، والمقهى شعبية لكن أسعارها استغلالية، وخطابه بصوت عال تعزيز للديمقراطية...
بلى...انه هو...ذو إقدام وجرأة، كلماته كبيرة ورنانة، ومتفجرة في وسائل اعلام مقروءة ومرئية، وربما لديه أعداء كثيرون...أرضى الارتباط به، حتى لو قضي عمره المتبقي في السجون، يشغل خبر اعتقاله حينها  مناصرون له، يخرجون في مظاهرات كبيرة...فارسي القادم ثوري عنيد ومناضل صنديد...
ما أجمل ذلك!...لكنه، وكعادة كل السياسيين، حين يتسلم زمام الحكم، سيتخلى عن أخلاقه ومبادئه ونظريته الانسانية، وينشغل بمركز وسلطة، ويتطاول على موارد وثروات شعبه، وقمع معارضيه، والتمسك بكرسي حكم...لا...سيتحول الى مستبدّ وطاغية، فالسلطة تغيّر وتخرّب وتلوّث، هذا ما لا أحتمل ولا أرضى...
أوف...التفكير في شريك الحياة، حيرة ومأزق شغلني طيلة عمر تجاوز ثلاثين عاماً، وربما أربعين...حسناً، أقولها بيني وبين نفسي، خمسين في الواقع...ترى من أختار؟...أي رجل في الدنيا أنتقي وأقبل به زوجاً؟ هل هو بين أولئك المارين أم الجالسين؟ لماذا لا أجد من في بالي ببساطة؟ لماذا لا يوجد رجل يمتلك كل تلك الصفات التي أبتغي وأنتظر من سنين طوال؟ هل أرجع إذن الى صاحب البدلة الواسعة؟...لا حيلة لدي...سأوافق عليه لو تقدم بطلب يدي بالتالي...لن أدعه يفلت، كما ضاعت مني فرص كثيرة، هو رجل طيب على أي حال، لا يحتاج الى شيء سوى تشذيب شعر منخريه، وربما بدلة تناسب حجمه، وأيضاً لفاف عنق آخر ).
تنشغل السيدة بسقي نباتاتها وإزالة ما ذبل منها...تمرّ سيارت بوليس مسرعة في الشارع مطلقة صفاراتها بضجيج رتيب وآلي، يتلوها ضحك صاخب لمجموعة من زبائن المقهى تلعب الدومينو...
- مساؤك سعيد سيدتي
التفتت صوب الصوت، لمحت انحناءة رأس كبير، وابتسامة عريضة من جارها، ساكن الشقة الجديد...بادلته التحية والابتسام، ورأته بعد ذلك  يتطلع نحو الشارع من شرفته، ويحاول التنصت باهتمام الى ما يدور في المقهى من أحاديث.
(في واقع الأمر، سأؤجل النظر في مسألة رجل  البدلة والمنخرين الواسعين في الوقت الحالي...لنرى أمر الجار الجديد، انه…يبدو وسيماً بلاشك، أو مقبولاً، وله اهتماماتي نفسها في مراقبة ومتابعة الآخرين...لكن له وجه بدين مثبّت مباشرة على جسد، دون رقبة، وربما ينقصه قليل من طول قامة و..............)

 
   
 


 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced