في البدء لابد من تعريف " المشخوط "، الذي تربع بالعنوان، فهو وصف شعبي يطلق على الذي دبت به مظاهر الجنون، وعليه نرى هذه الحالة قد اقتحمت عقول جل المسؤولين المتنفذين العراقيين، في هذه الايام الساخنة طقسا ً ولمساً، ودفعتهم الى التصريح بـ " الخشية " على سقوط النظام " جاء ذلك على لسان السيد نوري المالكي اثناء لقائه مع السيد عمار الحكيم. ومن ثم تداولت هذه العبارة في اجتماعات " الاطار التنسيقي ". غالباً ما يرددونها في الايام الاخيرة على نطاق ملموس. غير ان هذه الخشية لم تلمس سابقاً، بل كان بدلاً عنها القول ان النظام قوي و" ما ننطيها ".. والسبب لا يجهله عاقل فهو معروف كونه وليد الحصيلة التي خرجت عن عدوان الكيان الاسرائيل على ايران. ولا يمكن وصفها بغير توطّن حالة الانهاك والفشل في نفوس الطغاة الحاكمين وجعلتهم يتلمسون ـ اكتارهم ـ من جراء الصدمة التي احدثتها نتائج تلك الحرب القذرة.
ان الخوف بطبعه انبعاث ذاتي وردود فعل، غير انه لا يجرجر اذياله عندما يزور العقول المشخوطة، بل يجدها فرصة فيقتحم بلا احم ولا دستور، وحينها يتسمّرالخائفون امام منفذ واحد لاغير، وهو درب الهروب للنجاة قبل حلول ظلام ليلة الانهيار فاقدين تصوراتهم باسمرار سقوط التاريخ الذي انجبهم، والذي ابقاهم في فردوسهم الذي تدحرجوا به على حين غرة ..ولكن من يشعر باقتراب طوفان الغضب منه، عليه ان يحسب بانه هو الذي دنا من سيول التغيير الجارفة. وقد علمتنا الحياة بان التدارك للمخاطر حسنة رافقت الانسان العاقل، بل وحتى كل المخلوقات تتجنب المخاطر،غيران نعيم الحكم يعمي ولا يترك مجالاً لتحسس هواجس التغيّر الطبيعي. ولا تفسير له غير ان المتنعمين دأبوا على الايمان بالخلود الابدي الواهم، طالما يظنون ان جلالة رب العالمين اعطاهم هذا النعيم الذي بدا لهم المطلقاً.
ان من يتمالكه الخوف على حاله يتطلب منه ان يبحث عن الاسباب الذاتية قبل الاسباب العامة. ويسأل نفسه كم هو مستوى ما اسهم بصنعه من المخاطر التي تداهمه، كي يتدارك للتخلص من هذه العوامل الذاتية قبل غيرها، التي حطته على شفا الرحيل الابدي هذه المرة، لكونه هو وحده القادر على التحكم بها. بدلاً من ان يظل متشرنقاً بحرير النعمة الوفيرة التي ستبقى ملاذه . ظاناً انها طالما مُنحت له فهي كفيلة بصيانته من اي مكروه.. قال المقبور صدام ذات مرة " ان الله يحبه وهو الذي اوصله الى مكانه هذا وهو الذي سيحميه ".. يقول المسؤول العراقي انه يخشى على نظامه من السقوط، وهذا يدل على الشعور بقرب سنان الرماح الزاحفة نحو صدره، فهو اصلاً يخشى على مصيره اولاً ولن يتوان لحظة من ان يقدم على مقايضة نظامه باخر يضمن له سلامته، وحسب رؤياه يبقى النظام بمثابة درع حماية واشباع رعاية لشخصه ومصالحه وحياته، فالخشية ليست على النظام بقدر ما هي خوف على نفسه ونعيمه ليس الا. وفي مثل هذه المحاصرة بين المتلازمتين الموت السقوط يصبح البرجوازي المتسلط مستعداً ان يتنازل ويدخل في عملية مقايضة باي نظام يضمن له حياته ومصالحه.. رحماك يا شيخ الفلاسفة الجليل " كارل ماركس " على قولك التاريخي : ( ان البرجوازية تستسلم عندما تشعر بان السكين قد وصلت على رقبتها ).