مشكلة أغلبية الأيديولوجيين، وخاصة الإسلاميين منهم، هي الفصام الذي يعتريهم عندما يتعاملون مع المدونة الدينية، سواء كانت النص القرآني، أو السنة النبوية، أو اجتهادات الفقهاء؛ فتراهم «يتغافلون» عن نصوص قطعية الدلالة في التشريعات التي يضعونها؛ في مقابل الإصرار على تضمين تشريعات أخرى نصوصا من المدونة الدينية لا يمكن تسويغها أو فهمها خارج سياق الانتهازية والانتقائية والعقد النفسية!
والأمثلة على هذا الفصام كثيرة؛ منها مثلا أنه لم يعترض أحد من «الإسلاميين» الذين جاء بهم الأمريكيون بعد العام 2003، على مواد في التشريعات العراقية تخالف نصوصا قطعية الدلالة تدل على معنى متعيَّن فهمه منه ولا يحتمل تأويلاً ولا مجالا لفهم معنى غيره منه، مثل قوله تعالى: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله، والله عزيز حكيم» (المائدة: 38). فلم يطالب أحد منهم بتعديل قانون العقوبات العراقي الذي لا يلتزم بما ورد في هذه الآية الصريحة وغير القابلة للتأويل، لكنهم طالبوا بتعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1958 بشراسة!
ففي زمن مجلس الحكم الذي شكله الأمريكان، عمد رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق عبد العزيز الحكيم، لدى توليه الرئاسه الدورية للمجلس، إلى إصدار القرار رقم (137) في شباط 2004 بإلغاء قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 وتطبيق الشريعة الإسلامية وفقا للمذاهب فيما يتعلق بالأحوال الشخصية، لكن اعتراض رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة بول بريمر على هذا القرار، اضطره للتراجع عنه!
وتمكن الفاعلون السياسيون الشيعة، (وغالبيتهم العظمى من الإسلاميين) عام 2005 من وضع مادة في الدستور العراقي تنص على أن العراقيين «أحرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم وينظم ذلك بقانون» (المادة 41)، لكنهم عجزوا طوال السنوات الماضية عن تحقيق ذلك، رغم محاولاتهم، لأسباب مختلفة!
ففي العام 2013 تقدم وزير العدل (ينتمي الى حزب الفضيلة الإسلامي) بمشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري الى مجلس الوزراء العراقي. ولم يعترض أحد على القانون من حيث المبدأ، بل وجد مشروع القانون طريقه إلى التصويت داخل مجلس الوزراء، لكن المجلس قرر تأجيل النظر في القانون إلى ما بعد الانتخابات النيابية التي كانت على الأبواب! وفي أيلول/ سبتمبر 2018 ردت المحكمة الاتحادية طعنا بعدم دستورية مادة في قانون الأحوال الشخصية تتعلق بالتعويض عن الطلاق التعسفي لمخالفتها أحكام المذهب الجعفري، لكن المحكمة الاتحادية ردت الطعن، وقالت «إن مبادئ الشريعة الإسلامية تسعى لتحقيق العدالة الأسمى بين الزوجين، والتي لا تتحقق إلا بتعويض المرأة عما أصابها من ضرر جراء الطلاق التعسفي وليس الطلاق الواقع بصورة مشروعة»! وفي تموز/ يوليو 2021 ناقش مجلس النواب مقترحا لتعديل المادة 57 من القانون، لتمكين الأب من حضانة الابن عند بلوغه سن السابعة (وليس سن 10 سنوات، قابلة للتمديد بقرار قضائي إلى 15 سنة كما يقرر القانون) بل ينص التعديل على منح حق الحضانة للجد الصحيح عند بلوغه السابعة «وكان أبوه متوفيا أو مفقودا أو فقد أحد شروط الحضانة» ولكن المقترح لم يمر!
لكن الأمور تغيرت تماما عام 2025، وتمكن النواب الشيعة من تمرير قانون تعديل قانون الأحوال الشخصية، وأصبح العراق أمام قانونين للأحوال الشخصية، القانون السابق الذي يلتزم به العرب السنة (كما هو) والكرد السنة (مع إدخال بعض التعديلات عليه)، وقانون خاص بالشيعة، وتحدث التعديل عن «مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية على وفق المذهب الشيعي الجعفري» يضعها المجمع العلمي في ديوان الوقف الشيعي. واشترط الالتزام فيما يخص سن الزواج «بضمان عدم النص على تقليله والسماح بما يخالف المنصوص عليه في المادة 8 من قانون الأحوال الشخصية النافذ رقم 188 لسنة 1959».
وبالعودة إلى هذه المواد سنجد أن المادة 8 تنص على أنها تتضمن استثناء مما ورد في المادة 7/ 1 من القانون الذي حدد سن الزواج ب (18) سنة، وأنه يمكن للقاضي أن يسمح بزواج من بلغت/ بلغ (15) سنة «إذا ثبت له أهليته وقابليته البدنية، بعد موافقة وليه الشرعي» أو إذا «وجد ضرورة قصوى تدعو الى ذلك ويشترط لإعطاء الإذن تحقق البلوغ الشرعي والقابلية البدنية».
لكن مدونة الأحكام الشرعية الجعفرية» التي صادق عليها مجلس النواب يوم 27 آب/ أغسطس 2025، قامت بالتدليس الواضح على هذا الالتزام، وهذا كان أمرا متوقعا، وقد أشرنا اليه في مقالة سابقة، لأن «المشهور» من آراء الفقهاء في المذهب الجعفري أنه يمكن تزويج «الصغيرة» عند البلوغ، وعلامة البلوغ هي «الحيض» حصرا! ونقلنا ما كتبه المرجع الأعلى في العراق السيد علي السيستاني في كتابه «منهاج الصالحين» من أن: «لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين [قمرية]، دواما كان النكاح أو منقطعا»، وهو ما يعني أن سن الزواج الشرعي هو تسع سنوات قمرية!
فالمدونة نصت على أن شرط الزواج هي «أن يكون العاقد عاقلا بالغا»، دون الإشارة إلى السن، وهذا يعني أن المدونة الجعفرية سمحت بزواج الطفلة بعمر تسع سنوات قمرية، وسمحت بزواج الطفل بعمر 15 سنة قمرية؛ فبالعودة إلى موقع السيد السيستاني على الويب، وفي باب «الاستفتاءات» سنجده يرد على السؤال الآتي: «ما هي علامات البلوغ في الذكر والأنثى» بالقول: «علامة البلوغ في الأنثى إكمال تسع سنوات هلالية، وهو ما يعادل ثماني سنوات ميلادية وثمانية أشهر وعشرين يوما تقريبا»، أما الولد فيعد بالغا عن «إكمال خمس عشرة سنة هلالية، وهو يعادل أربع عشرة سنة ميلادية وستة أشهر وخمسة عشر يوما تقريبا»! وهذا ما سيتم الالتزام به عمليا، بعيدا عن أي تدليس!
إن مدون الأحوال الجعفرية لا علاقة لها بحرية الاعتقاد، بل غايتها الجوهرية ربط المواطن أو الأسرة الشيعية تحديدا، بالمؤسسة الدينية الشيعية ورجل الدين الشيعي، وليس بالدولة. فضلا عن أنها تعكس في أحكامها ذكورية واضحة ومسحة من البيدوفيليا المقننة، وهي في النهاية تكريس لمحاولات منهجية لتحويل العراق إلى دولة دينية تطبق الشريعة الإسلامية بنسختها الشيعية!