ما حكاية الدب الذي طارد «نازك» وشقيقتها؟!.. «إحسان الملائكة» تفتح ملف الذكريات
نشر بواسطة: Adminstrator
الخميس 25-06-2009
 
   
بغداد - المدى
استذكرت الكاتبة والباحثة والمترجمة العراقية احسان الملائكة شقيقة الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة سنوات طفولتها وصباها وشبابها في حضن عائلة يفيض فيها الشعر كنبع ماء، فلا حديث ولا مزاج الا وكان الشعر سيده بل سلطانه.. هذا العالم الشعري كان في بيت من بيوت بغداد في منطقة «أبي قلام» خلال العشرينيات من القرن الماضي. والسيدة احسان امرأة مليئة بالجهد والعطاء والابداع، تقرأ وتكتب بالاضافة الى العربية والانكليزية والتركية.. في هذا الجو.. تخفف من معاناة وحدتها على الرغم من تجاوزها الثمانين من العمر فإنها تمتلك خلف نظارتها الطبية نظرة ثاقبة ومدركة لمعنى الحياة، ومازالت أناملها تمسك القلب ببراعة وثقة.. وبعد تجربة ستين عاماً عاصرت خلالها تحولات التاريخ والأدب، فقد شهدت ظهور وتفجر موهبة الشعر لدى العديد من الشعراء ومنهم شقيقتها «نازك الملائكة» التي سبقت احسان في كتابة الشعر بسنوات.

ولدت احسان عام 1925 في بغداد لعائلة غذاؤها الأدب والقراءة، وسماع الموسيقى الكلاسيكية، ومتابعة الأفلام العالمية، والدها الشاعر العراقي صادق جعفر الملائكة، ووالدتها الشاعرة سلمى عبد الرزاق وكنيتها «أم نزار».
في هذا الجو الثقافي عاشت احسان حياة خيم عليها الانسجام والحب والتكامل والشعر، ضم الوالدين والشقيقتين.
تتحدث احسان الملائكة عن طفولتها بقولها:
عشت طفولة غير اعتيادية لأني كنت امتلك عادات غير شائعة بين الصغار، مثل الحرص على النظام والترتيب، والمحافظة على الهدوء والقدرة على التحكم. هذه الخصال كانت تمنعني من التمتع بطفولتي واللعب مع صديقاتي في المدرسة، ولم يبد علي ميل للمطالعة على عكس نازك التي كانت متوجهة كليا نحو الثقافة ولا تفتأ تحثني على الاقتداء بها، لكن وقع التغيير في ميولي وأنا في الرابعة عشرة من عمري، حيث تملكني جو غريب من العشق لما كان يشاع في البيت من اجواء الشعر.. فكان والدي يقول الشعر في سياق الكلام، وكانت والدتي تحفظ آلاف الابيات الشعرية، ولهذا تملكني عشق للقراءة، بدأت بقراءة المقالات الادبية والسياسية والروايات والمجلات الثقافية وحفزني جو البيت الذي كان أشبه بملتقى الادباء والمثقفين العراقيين والعرب ما جعل الادباء يطلقون على بيتنا «بيت الأمة العربية»، وهذا ما جعل الاجواء التي نعيشها تغمرها حرية الفكر.. وكنا نلمس التحضر في معاملة والدنا حيث كان يصطحبنا الى دور السينما في الاربعينيات وكنا نلبس القبعات في الوقت الذي كان لباس المرأة السائد هو العباءة، وكان يصطحبنا الى المحاضرات والاحتفالات الثقافية على الرغم من استنكار الأقارب والجيران لهذه العادات.
*ما تأثير شقيقتك نازك عليك شخصياً؟
ـ لقد وقعت في طفولتي وصباي وحتى في  عنفوان الشباب تحت تأثير سحر نازك من دون قصد مني، وظلت طوال سنوات عدة النموذج الامثل الذي اقتدي به قولا وفعلا.. كانت لي في الواقع الوجدان الداخلي الذي يحرك خطاي من دون ان الاحظ ذلك، حتى ان بعض معارفنا ينادونني باسمها لكن أيا منهم لم يناد نازك باسمي، وهذا يؤكد طغيان شخصيتها على شخصيتي في ذلك الحين، غير اني لمست تأثيرها على كل افراد عائلتي. حين استعيد اقدم ذكرياتي مع نازك تثب الى ذهني طريقتها الممتعة في سرد الحكايات والقصص، فكانت تجمعنا وتشرع في سرد قصصها بأسلوب جذاب لا أدري ممن تعلمته، ومع أن تلك الحكايات والقصص قد مسحت من ذاكرتي الا ان ما اتذكره جيدا تلك المخيلة  الواسعة العجيبة التي تمتلكها نازك، فأفكارها في حركة دائبة واحاسيسها متدفقة خصبة ثرية.. فلم تكن مثل اي انسان اعرفه وهي كذلك حتى الآن.. كانت تفاجئنا دائما بأفكار لا تخطر على بال.. لما تمتلك من ذهن متقد وادراك وفهم عميقين.
*وماذا تعلمت منها؟
ـ من نازك تعلمت وفي عهد مبكر من حياتي أن ارفض توافه الحياة اليومية ومشاغلها، ومع انها ا خذت هذا الترفع عن الصغائر من الوالدين أساسا الا انها عرفت كيف تغرس عاداتها الجميلة النبيلة في نفسي حتى صارت جزءا من شخصيتي.. كما أنها تركت في نفسي خصالا فاضلة مثل اتقانها لكل عمل تقوم به مهما كانت تعترضه من مصاعب ومشاغل، والاهم هو استغلالها للوقت بشكل منظم ومرتب، فكانت تحدد لكل ساعة من ساعات يومها عملا ثقافيا معينا، وتسجل ذلك في ورقة وتعلقها امامها كي لا تحيد عن نظامها، وعلى هذا النظام الدقيق اخذت تفاصيل تنظيم حياتها كشاعرة، فتعلمت منها كتابة اليوميات، وتخصيص دفاتر للمختارات الادبية والشعرية والنثرية، وتخصيص غيرها لاغاني كبار المطربين، وتعلمت منها عادة ترتيب الصور.. وكانت نازك تمتلك مكتبة واسعة من المعزوفات العالمية كانت تستمع اليها اثناء الكتابة او القراءة، ليشجع على انسايبة افكارها واستمرار تدفقها وفي بيتي حدث الشيء نفسه.
*ماذا تتذكرين في هذه اللحظة عن نازك؟
ـ قد لايكون أمرا مألوفا تلازم شقيقتين، وهناك عدة اخوات واخوة وصديقات، ولكني أنسب ذلك الى حاجة نفسية ربما نبعت من شعوري بالحماية اضافة الى توافر عامل المحبة وتماثل الميول والاهواء فكنا عاشقتين للطبيعة وكنا ننفرد انا وهي خلال السفر للاستمتاع بالطبيعة، واذكر ذات صباح كنا نجلس وحدنا عند نبع ماء شديد الصفاء في بلدة (مرستك) في شمال العراق، كان الماء البارد كالثلج يترقرق فوق حصى لا منتهى لألوانه البهية، وشعاع الشمس ينكسر بين الامواج، وإذ نمد أيدينا لتمس ماء النبع تفاجئنا الفراشات أمامنا بحفيف اجنحتها وفجأة التفتت الي نازك قائلة: ماذا لو برز امامنا دب متوحش، ونحن على هذا البعد من اصحابنا فجمعنا أشياءنا على عجل وعدنا الى رفاق السفرة، وبعد هذه السفرة كتبت نازك يوتوبيا في الجبال..
تفجري يا عيون
بالماء بالأشعة الذائبة
تفجري بالضوء بالألوان فوق القرية الشاحبة
في ذلك الوادي المغشى بالدجى والسكون
تفجري بيضاء فوق الصخر
لوناً وضوءاً يتحدى كل رجس البشر
تفجري لن يسأم المنحدر..
ولكن هل الحديث عن نازك من منتهى؟ أبداً.. لكن اصدق من تحدث عن نازك شعرها، فهو المعبر الحقيقي عن ذاتها، والمجسد الأصلي لشخصيتها ولها أبيات ترسم صورة دقيقة لشخصيتها في القصيدة التي عنوانها: «أنا».
الذات تسأل من أنا
أنا مثلها حيرى أحدق في ظلام
لا شيء يمنحني السلام
أبقى اسأل والجواب
سيظل يحجبه سراب
وأظل أحسبه دنا
فإذا وصلت إليه ذاب
وخبا وغاب
*ما مكونات ثقافة الشاعرة وبمن تأثرت؟
ـ للألفاظ عند نازك كيان مستقل قائم بذاته، وكانت شغلها الشاغل والوقوع في الخطأ اللغوي شيء لا تتحمله ولا تطيق السكوت عليه، قد يكون لهذه العادة صلة بتلمذتها على يد أستاذنا الكبير مصطفى جواد.. وكانت دروسه ممتعة لنا فكان من اصدقاء الوالد.. وكذلك كان لنازك اهتمام باللغة وعلومها كالنحو والصرف والعروض وهذا استغرق وقتا كبيرا من حياتها، فقد بدأت بدراسة مؤلفات اعلى من مستوى عقلها، وهي مازالت في الدراسة المتوسطة مثل شروح الفية ابن مالك، وشروح ابن هشام، وابن عقيل، وابن الناظم، وتعمل فيها جميعا مستخدمة عدة دفاتر للتعليق والنقد والمقارنة، ودرست مؤلفات ابن جني والقالي والسيوطي والزمخشري والمبرد والجاحظ وغيرهم وتحفظ الشواهد النحوية بولع عظيم. أما قراءاتها في الشعر فكانت بلا كلل او ملل وتحفظ عشرات الآلاف من الأشعار وكانت تخصص عددا كبيرا من الدفاتر لمختارات الاشعار قديماً وحديثاً.

 
   
 


 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced