عوالم محمود درويش... ذكريات وتأملات
نشر بواسطة: Adminstrator
الأحد 16-08-2009
 
   
شــاعر القــدس... شــاعر بيــروت
كريم مروة
تعود علاقتي بشعر محمود درويش الى الزمن الأول من حياة محمود الشعرية، أي قبل أن نلتقي في أول السبعينيات من القرن الماضي. بل هي علاقة سابقة حتى على ظهور اسمه بين شعراء فلسطين الجدد. وقد بدأت هذه العلاقة من خلال مجلتيّ «الجديد» و«الغد» ومن خلال جريدة «الاتحاد». وهي كانت تصدر جميعها في حيفا. وبدأت هذه العلاقة، في الوقت ذاته، من خلال المشرفين على إصدار تلك الصحف، والمساهمين في تحريرها من أدباء وسياسيين ممن ينتمون إلى فلسطينيي عام 1948، كما نصطلح على تسميتهم. وكان ذلك في النصف الأول من خمسينيات القرن الماضي. وقد أتاح لي تلك الإمكانية وجودي في القيادة اليومية لاتحاد الشباب الديموقراطي العالمي في بودابست على امتداد أربع سنوات، أي بين عاميّ 1953 و 1957. ثم تجدد ذلك في مطلع الستينيات، عندما كنت عضواً في القيادة اليومية لمجلس السلم العالمي في فيينا على امتداد ثلاث سنوات، أي بين عاميّ 1962 و 1964. كنت أتلقى، خلال الفترتين المشار إليهما من عملي في المنظمتين العالميتين، تلك الصحف بصورة منتظمة. وكنت ألتقي مع المثقفين الفلسطينيين القادمين للمشاركة في المؤتمرات والمهرجانات العالمية للشباب والطلاب، وفي المؤتمرات العالمية لأنصار السلم. ولن أنسى أحد أبرز اولئك المثقفين في تلك الحقبة، الذي كان يرأس تحرير مجلة «الجديد»، الشاعر حنا أبو حنا الذي لم أعد أسمع عنه شيئاً منذ زمن بعيد، ولا أعرف أين أصبح اليوم في عالمي الأدب والسياسة. وهاتان المجلتان، «الجديد» و«الغد» ومعهما أمهما «الاتحاد»، هي التي كانت تنقل الى البلدان العربية من الضفة الأخرى، أي من وراء الستار الحديدي الاسرائيلي الثقيل، إبداعات الشعراء والكتّاب الفلسطينيين. وكانت عملية النقل والانتقال والانتشار تلك خجولة وحذرة في المرحلة الأولى. وكان السبب في ذلك يعود الى ان هؤلاء الأدباء الفلسطينيين، القوميي الانتماء الى فلسطين وإلى العروبة، كانوا اسرائيليين في الجنسية التي كانوا يحملونها غصباً عنهم. لكنهم كانوا، بالمقابل، شيوعيين أو يساريين في الانتماء الفكري والسياسي. ولم «يستعيدوا عروبتهم»(!)، بالنسبة إلى عرب البلدان العربية، الا بعد هزيمة حزيران، أي مع انطلاق الثورة الفلسطينية الجديدة. إذ شكل أدبهم، شعراً وقصة ورواية وكتابة سياسية، الإرهاص المبكر لتلك الثورة. ثم صاروا، في فترة زمنية قصيرة، من أهم الرموز الحية للثورة، ومن أبرز عناوينها المضيئة بعد قيامها.
كان محمود درويش، في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، لا يزال في بداياته الصاعدة كشاعر. وكان قد سبقه الى المكانة الأولى في كتابة الشعر الفلسطيني الحديث توفيق زياد. وكان قد سبق الشعراء الجدد جميعهم جيل مهم من الشعراء والأدباء، كان من أهمهم ـ حسب معرفتي ـ ابراهيم طوقان، ثم فيما بعد عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) وفدوى طوقان، التي شكلت حلقة وصل بين الشعراء الكلاسيكيين وشعراء الحداثة. ثم صار ابو سلمى، منذ أول السبعينيات من القرن الماضي، من أكثر مثقفي الثورة الفلسطينية قرباً الى قلبي ووجداني. كما كانت الحال ذاتها مع معين بسيسو، الذي كنت قد حفظت بعض أشعاره الأولى منذ مطالع الخمسينيات، ومع كمال ناصر الذي بدأت علاقتي معه عام 1969، وعز الدين المناصرة. وصار الأربعة من أعز أصدقائي. لكن محمود درويش سرعان ما صار، قبل أن ألتقي به، الشاعر الذي دخل الى قلوب وعقول الكثيرين في دنيا العرب وتولد عندي احساس عميق، عندما بدأت أقرأ له، بأنه الشاعر الواعد الصاعد الى مكان رفيع في عالم الشعر الفلسطيني خصوصاً، والشعر العربي عموماً، والشعر العالمي كذلك.
شاعر بالولادة
على أن محمود، في تعريفي له بعد متابعتي الطويلة لمسيرته الشعرية، هو شاعر بالولادة. ويقول هو، في التعريف بسيرته الشعرية، انه حين تصدى لكتابة الشعر لم يكن قد تجاوز الخامسة عشرة من عمره. وهكذا فإن علاقته بالشعر وبالأدب عموماً، وعلاقته بالسياسة وبالكفاح من أجل قضية وطنه، تزيد عن نصف قرن. الأمر الذي يشير بوضوح الى أن موهبته الشعرية قد ولدت معه، وأن ظروف ولادته ونشأته قد صقلت هذه الموهبة، وأعدتها منذ وقت مبكر، لكي تتطور في أرقى الأشكال والمضامين، مع مرور الزمن وتكاثر وتعاظم المحن.
في أواسط الستينيات من القرن الماضي، قبيل هزيمة حزيران، وخصوصاً في المرحلة التي اعقبت تلك الهزيمة، برزت في الأراضي الفلسطينية التي اغتصبتها اسرائيل ظاهرة الأدب الفلسطيني المقاوم. وكان الشعر سيد الساحة. وكان الشعراء اليساريون عموماً، والشيوعيون خصوصاً، ابطال هذا الشعر وسادة تلك الساحة. وصار ينظر اليهم أشقاؤهم العرب خارج فلسطين، بعد أن اكتشفوهم واعترفوا بهم، نظرة مختلفة عن تلك النظرة التي سادت في المرحلة السابقة على قيام الثورة الفلسطينية الجديدة في أعقاب هزيمة حزيران. إذ بدأوا يرون فيهم رموز مقاومتهم من وراء الحدود، ومن وراء قضبانها الحديدية وساحاتها المثقلة بكل أشكال القهر العنصري الذي كان فلسطينيو 48، ولا يزالون ، ضحيته. ومنذ ذلك التاريخ كان محمود درويش متميزاً بين شعراء وأدباء ومثقفي جيله من فلسطينيي الداخل. لكنه لم يكن وحيداً، برغم تميّزه. فقد كان معه وأقدم منه من الشعراء الشاعران توفيق زياد ومعين بسيسو، وإميل حبيبي الكاتب والروائي، وتوفيق طوبي وصليبا خميس وحنا نقارة من القادة السياسيين، وإميل توما المؤرخ. وكان من شركائه في الشعر والسن تقريباً سميح القاسم وسالم جبران وآخرون في الداخل، وعز الدين المناصرة ومريد البرغوثي وكمال ناصر وآخرون في الشتات العربي خارج أرض فلسطين . ثم كبرت لائحة الأسماء، وكبر الرمز، وكبرت الصورة التي حملتها الأسماء وحملها الرمز، في العلاقة بين الشعر وسائر ألوان وأجناس الأدب والفن، وبين القضية. وكانت الصحف اللبنانية خصوصاً، والصحف العربية عموماً، تعنى بنشر ما كان يصلها من ابداعات شعراء المقاومة هؤلاء، ومن أدبائها. وربما كان الأديب الفلسطيني غسان كنفاني الذي كان يقيم في لبنان منذ زمن «النكبة» أول من اكتشف هؤلاء الأدباء والشعراء. وصار ينشر نتاجهم في ملحق فلسطين الذي كان يصدر عن جريدة «المحرر» اللبنانية لصاحبها ورئيس تحريرها هشام أبو ظهر. ثم تحولت هذه الأعمال الأدبية الى كتاب أصدره غسان كنفاني في أواخر الستينيات بعنوان «أدب المقاومة». وفي الفترة ذاتها، في كانون الأول/ديسمبر من عام 1968، أصدرت مجلة «الطريق»، بإشراف حسين مروة ومحمد دكروب، عدداً خاصاً بأدب المقاومة، تضمن حديثاً شاملاً مع محمود درويش عن سيرته الشعرية. وكان إسهامي في هذا العدد يتمثل بالافتتاحية المكرّسة لتقييم دور العمل الفدائي الفلسطيني، ودور المقاومة عموماً بالسلاح وبالسياسة وبالفكر وبالثقافة، كتعبير عن الارتقاء في الحركة الوطنية الفلسطينية في مرحلة ما بعد هزيمة حزيران.
كنا، في تلك الفترة، نقرأ شعر المقاومة القادم إلينا من فلسطين المحتلة، أو المغتصبة ـ أي من اسرائيل ـ بعقلنا ووجداننا. وكنا نرى فيه وفي رموزه تعبيراً صادقاً عن وجعهم وعن وجعنا، وعن خيباتهم وعن خيباتنا. وكنا نرى فيه وفي رموزه، في الوقت ذاته، تعبيراً صادقاً عن صمودهم وعن صمودنا، وعن أحلامهم وعن أحلامنا. وفي يقيني فإن تلك المرحلة من الكفاح الوطني ومن الإبداع الأدبي هي التي هيأت الشروط لولادة شعر وشعراء المقاومة من أبناء جنوب لبنان، الذين كانوا ينفعلون بالحركة الكفاحية فيه، اللبنانية أولاً، واللبنانية ـ الفلسطينية فيما بعد. وهكذا صار للظاهرة الشعرية الفلسطينية شقيقتها اللبنانية.
في أول السبعينيات من القرن الماضي خرج محمود درويش من منفاه داخل وطنه الى المنفى العربي، في القاهرة أولاً ثم في بيروت. وكانت بيروت، على الدوام، قريبة الى قلب محمود. وكادت، من فرط ارتباطه بها والولع بحبّها والوفاء لها وللشعب اللبناني، أن تصبح، بالنسبة إليه وإلى كثيرين من دون أفكار مسبقة عنده وعندهم ، وبأفكار مسبقة ربما عند آخرين، الوطن الثاني، حتى لا أقول الوطن البديل. لكنها، كانت، بحق، خيمتهم، كما سماها محمود في إحدى روائعه: «بيروت خيمتنا».
شخصيتان
بدأت علاقة الصداقة بيني وبين محمود درويش منذ أن وطئت قدماه أرض لبنان. واستمرت حتى آخر عمره القصير. وكان آخر لقاء بيننا في ربيع عام 2007، حين قدم إلى بيروت ليوقع أحد دواوينه الجديدة، ووقع لي على نسخة منه بكلمة «إلى رفيق العمر». وكان محمود، بالنسبة إليّ، واحداً من أجمل رفاق عمري. وكانت لصداقتنا ولرفقة العمر بيننا أسباب شخصية وإنسانية وسياسية وفكرية، تعددت صيغها وأشكالها وحالاتها. لكن الأساس الأول لتلك الصداقة كان منذ البداية، يتمثل بالعلاقة السابقة بشعره وبموقفه السياسي، الذي كان لصيقاً بموقعي السياسي. ورغم ان موقفه السياسي الأول قد تبدل، بحدود معينة، بفعل المتغيرات التي كانت تحصل في حياته، وبفعل المتغيرات التي كانت تحصل في العالم العربي وفي العالم، الا ان عمق علاقتي بشعره وبموقفه الوطني والإنساني قد حصن هذه الصداقة من خطر التصدع في بعض اللحظات العاصفة، حين كنا نختلف في شؤون سياسية يومية، وحين كان يبدو لي قاسياً، على غير عادة الشاعر عموماً، وعلى غير عادته هو، في الحكم على الأحداث وعلى مواقف أصدقائه القدامى والجدد، لا سيما في زمن المحن والصعوبات. ولعل تسامحي هذا يعود الى أنني اكتشفت، منذ وقت مبكر، ازدواجية ما في شخصية محمود. واحدة من شخصيتيه ظلت ثابتة، في حين تعرضت الأخرى لتبدلات وتحولات. الثابت من الشخصيتين هو شخصية الشاعر فيه، شاعر الانسان والقضية. والمتبدل المتحول فيهما هو شخصية السياسي الباحث عن مكان له في الأحداث آمن، أو شبه آمن، وشخصية المفكر الحائر إزاء مرجعية فكرية لم تكن قادرة، في ظل التراجع الذي قاد التجربة الاشتراكية إلى الانهيار، على أن تعيد إليه حالة الاطمئنان السابقة. فالاطمئنان واليقين هما ـ أو انهما أصبحا ـ يتعارضان مع حرية الشاعر الذي من نوع محمود درويش، الملتزم بقضية شعبه ووطنه، المتجاوز، بحسه الشعري وبقلقه الانساني وبانفعالاته وبأحلامه، كل الأزمنة وكل الأمكنة. بل إن الاطمئنان واليقين، اللذين كانا من ثوابت انتماء محمود وانتمائنا نحن رفاق دربه، الانتماء الايديولوجي باسم مرجعية ماركس، بدءا يخليان مكانهما في عقول الكثيرين لنمط جديد اكثر رحابة وأكثر ارتباطاً بحرية الفكر. وعلى هذا الأساس من تحديدي لهاتين الشخصيتين، وعلى هذا النحو من التحرر من التباسات الماضي، قررت ان علاقتي الأساسية بمحمود ـ علاقتي أنا ـ انما هي، أساساً وليس حصراً، مع شخصية الشاعر فيه بكل امتداداتها، مضافاً إليها الجانب الانساني في تلك العلاقة، الجانب الذي ظل يمتد في الزمن حتى نهايته. أقول ذلك لأنني كثيراً ما اختلفت مع محمود في فترة ما بعد الخروج من بيروت، حين كنا نلتقي في باريس ونتبادل الأحاديث حول ما كان يجري في لبنان وفي فلسطين وفي العالم العربي، وحول ما كان يجري في الحركة الشيوعية وفي الحركة الوطنية في البلدان العربية. وما أقوله، هنا، ليس تكراراً لفكرة سابقة، بل شرحاً وتوضيحاً لهذه الفكرة، منعاً لسوء الفهم، وتجاوزاً لاحتمال وقوع التباسات. إلا أن محمود حين بلغه عن لساني ما أقوله عن تحولاته السياسية، وحين كنت أتحدث معه بشأنها، توجه إليُّ بالسؤال التالي، مباشرة وعبر الوسطاء: وأنت يا كريم ألم تتغير؟ ألم تؤثر فيك سيرة حياتك السياسية والفكرية والشخصية، وتحولات العصر في بلداننا وفي العالم؟ فلماذا تنظر الى الصورة أمامك في منظار تتجاوز فيه واقع التحولات، ولا تنظر الى الفعل الذي أحدثته تلك التحولات فيك، في فكرك وفي مواقفك السياسية، وفي مجمل مسار حياتك، بعد تلك العقود الخمسة من تجربتك الحزبية بكل تعرجاتها؟ وأعترف بأن محمود كان على حق في ما ساقه من أسئلة تخص تجربتي وتحولاتي. ذلك أنه لم يكن يومذاك قد قرأ ما كنت قد دونته في بعض كتبي من إشارات إلى التحولات التي كانت تجري في أفكاري وفي مسيرة حياتي فيما تبقى لي من عمر. وحين اطلع على تلك الكتابات اعتذر. وكنت قد اقتبست في كتابي الذي نشر في مجلة الطريق بعنوان «من ذاكرتي الفلسطينية» مقاطع من نص له يرثي فيه بعض شهداء الحزب الشيوعي اللبناني، لكي أذكره بتاريخه القديم:
لا أعرفهم
لكني أعرف فيهم قلبي
لا أعرفهم
لكني أعرف فيهم دربي
وبطاقة حزبي
أعرف فيهم شعبي
لا أعرفهم
لكني أعرف فيهم زمني
أعرف فيهم وطني.
شاعر بيروت
كانت لقاءاتنا خلال فترة السبعينيات كثيفة.. وكانت تجري تلك اللقاءات في منزل محمود، وفي منزلي، وفي منازل أصدقاء آخرين، وفي أماكن عامة، بما في ذلك في مقاهي ذلك الزمان التي كانت تزين بيروت، قبل الحرب الأهلية خصوصاً، وحتى خلالها في بعض الفترات. وكانت لتلك اللقاءات نكهة خاصة. اذ كانت تجمع بين الثقافة والسياسة وبين متعة اللقاء بين أصدقاء مختلفين في الأمزجة والهواجس والأفكار، ومتفقين على روح الصداقة. كانوا شعراء وأدباء ومفكرين وسياسيين وإعلاميين. وكانت تتبلور مع الوقت احتمالات معينة تشير الى ضرورة أن يتخذ المثقفون، بمن فيهم السياسيون الملتزمون بأحزاب، موقفاً مستقلاً، موقفاً يتجاوز حسابات اللحظات الحرجة والتباساتها الى قول ما ينبغي قوله بحرية وبجرأة بخصوص قضايا بلداننا الخاصة والعامة، وبخصوص قضايا العصر، وقضايا إنسانية عامة مستقلة عن هذه وتلك. ولم تلبث نقاشاتنا أن أنتجت اتفاقاً مبدئياً على اللقاء من اجل البحث في آليات تشكيل جبهة ثقافية عربية للمقاومة، مقاومة كل مفاعيل تلك الحقبة. وكان الموعد المحدد لذلك اللقاء في الرابع من شهر حزيران/يونيو من عام 1982. وتم تحديد منزلي مكاناً لذلك اللقاء. وكان محمود درويش أول القادمين. ثم جاء حسين مروة ومهدي عامل ومحمد دكروب وفيصل دراج وفواز طرابلسي وياسر عبد ربه ومعين بسيسو. وقبل أن يكتمل النصاب فاجأتنا الطائرات الاسرائيلية بغاراتها على المدينة الرياضية في العاصمة بيروت، غير بعيد من المكان الذي يقع فيه منزلي. ولم نكن نتوقع أن ذلك الحدث كان سيصبح في التاريخ المعاصر اليوم الأول للغزو الاسرائيلي للبنان. فقررنا تأجيل اللقاء الى اليوم التالي. لكن ذلك اليوم التالي لم يأتِ. وما زال ينتظر من يستدعيه! ولم ألتقِ مع محمود درويش، بعد ذلك، إلا في باريس. اذ ذهبت بمهمة صعبة الى باريس بعد يومين من الغزو الاسرائيلي، في حين بقي محمود مع المقاومين الفلسطينيين واللبنانيين تحت الحصار. وحين ذهبت من باريس للقاء ياسر عرفات وأعضاء القيادة الفلسطينية في تونس في شهر أيلول/سبتمبر بعد الخروج من بيروت، لم يكن محمود موجوداً في العاصمة التونسية. وصارت لقاءاتنا تتم في باريس بعد ذلك، الى أن عاد الى عمان. فصارت عمان مركز لقاءاتنا. ثم تواصلت اللقاءات في أماكن أخرى، في دمشق أولاً ثم في بيروت. وكانت لقاءاتنا، رغم تباعد المسافات الزمنية بين اللقاء والآخر، المجال الرحب للحديث في كل الشؤون التي كنا قد اعتدنا في الفترات السابقة أن نتبادل الحديث فيها. لكن الشروط كانت قد اختلفت. وكان الفكر ذاته قد بدأ يتغير وبدأت تتغير مفاهيمه وقوانين التعامل معه. وكانت المواقف السياسية تتغير. وكانت قد بدأت تتبدل صورة الأحلام القديمة لتحل محلها أحلام مؤجلة إلى حقبة قادمة. ورغم اننا كنا نتقدم في السن ـ وبيني وبين محمود أحد عشر عاماً بالدقة، وكلانا كان يحتفل بعيد ميلاده في شهر آذار/مارس ـ فإننا لم نفارق أحلامنا، حتى وهي تبدل بعضاً من روحها وبعضاً من ثوبها، وتبدل بعضاً من وجهتها. اذ هي، أي أحلامنا، بقيت في جوهرها الأحلام ذاتها، الأحلام الملأى بالرغبة عندنا في التغيير باتجاه الأفضل والأرقى والأكثر تحقيقاً لحرية الانسان العربي، الحرية بكل معانيها.
لكن محمود درويش ظل يحب بيروت حباً عظيماً. ظل يقول ذلك، ويكرره في كل مناسبة. ذلك أن بيروت، بالنسبة إليه، تختلف عن كل الأمكنة التي عاشها في منفاه العربي والعالمي. ولبيروت، في تعلقه بها، مكانة ونكهة لا تجاريها نكهة.لا حدود لحب بيروت عند محمود درويش. فبيروت لا تُحب مرة واحدة. بل هي تظل تُحب، أو توحي بالحب، من دون حساب للزمن ولتغيراته وللتحولات فيه. وحين دعوته، عندما جاء إلى دمشق بعد ذلك الغياب الطويل، للمجيء الى بيروت ومشاركتنا في إحياء ذكرى الجواهري، تردد بين أمرين: بين أن يشارك في تكريم كبير شعراء العرب على امتداد قرن بكامله، وبين أن يأتي الى بيروت في ما يشبه التسلل، بعد غياب دام طويلاً. وحسمت معه، يومذاك، تردده. وفضلنا أن يأتي الى بيروت، خيمته وخيمتنا، مباشرة، ومن دون واسطة. وكان يوم القدس ويوم بيروت المقاومة عنوان تلك الرحلة الجميلة الظافرة في أواخر عام 1999. فاستقبلته بيروت كعادتها، متجاوزة الشروط التي تقتضيها استقبالات الضيوف القادمين إليها من خارجها. ذلك أن محمود درويش لم يكن يأتي الى بيروت ضيفاً، بل كان يأتي إليها كواحد من أعز أبنائها إليها. لكنه، وهو شاعر بيروت مثلما هو شاعر القدس، جاء الى مدينته على صهوة جواد الشعر وصهيله، شاهراً صوته الرخيم على مسمع الألوف المؤلفة من اللبنانيين والفلسطينيين، ينصتون إليه وهو يلقى عليهم، بصحبة عود مارسيل خليفة، فصول جداريته، ملحمة صراعه في لحظة حرجة من حياته، مع موت كان يزحف إليه في غير ميعاد. فانتصر، يومذاك، على الموت بسلاح الشعر وبصوت الحرية وبإرادة الحياة. جاء محمود يومها الى بيروت ليعلن انتصار الحياة على الموت، وانتصار الحرية على الظلام. جاء الى بيروت ليعلن ولادة الحلم من جديد، بعد كل الدمار الذي كان قد أصاب ذلك الحلم، وضد كل المحاولات المستمرة لتدميره. جاء ليعلن من بيروت أن القدس، عاصمة فلسطين، ستظل هي ذاتها عاصمة فلسطين، الشقيقة الحبيبة لبيروت، عاصمة لبنان والعرب، التي استعصت على الغزاة البرابرة وعلى حصارهم، وقهرتهم بدل أن يقهروها، وفرضت عليهم أن يخرجوا منها، هم أذلاء وهي شامخة. وتكررت زيارات محمود الى بيروت. وتكرر احتفاؤها به. وكانت زيارته لها عام 2002، زيارة استثنائية بأهميتها. اذ غصت ساحة ملعب المدينة الرياضية بالألوف التي أتت لتستمع إليه ولتعلن وفاءها لقضية فلسطين ولقضية شعبها المكافح، ولتؤكد وفاءها للشعر، عندما يكون في مستوى شعر محمود درويش.
في جداريته ساقنا محمود معه، في هذيانه الشعري البليغ، الى عالم آخر مدهش وغامض وملتبس.لم يكن له دور في اختيار زمان الدخول في هذا العالم المجهول، ولا في اختيار صورته وشروطه. جدارية محمود هذه هي واحدة من قمم شعره، وقمم الشعر العربي الحديث.
إلا أن هذا المجد الكبير الذي بلغه محمود درويش لا يعطينا الحق بأن نؤلهه، ونغيب، بفعل هذه التأليه، العيوب الإنسانية فيه. فهو كان إنساناً حقيقياً، مثل سائر الناس. كان، أسوة بكل الشعراء، نرجسياً. لكنه كان يجهد بعدم إعلان نرجسيته. وكان حريصاً على عدم السعي إلى التعريف بذاته، أو البحث عن المجد، أو الجري وراء الجوائز العالمية. فهو كان يثق بنفسه وبإبداعه. وكان المجد يأتي إليه من تلقاء ذاته. وكذلك كانت الجوائز العالمية.

 
   
 


 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced