«الرجل ذو الذراع الذهب» لنيلسون آلغرين: بؤس ذلك الحلم
نشر بواسطة: Adminstrator
الخميس 22-10-2009
 
   
الحياة
لم يكن اسم نيلسون آلغرين، اسماً كبيراً في عالم الأدب الأميركي أواسط القرن العشرين. أما في أوروبا فإنه بالكاد كان أحد سمع به لولا اعترافات متأخرة للمفكرة والكاتبة سيمون دي بوفوار، قالت فيها انها، حين كانت في عز ارتباطها مع جان – بول سارتر عبر الثنائي الذي شكلاه وكان مضرب الأمثال عاطفياً وفكرياً وانسانياً، أقامت علاقة مع كاتب أميركي هو نيلسون آلغرين. على الفور يومها راح القراء – وحتى كتّاب كثر – يبحثون في المراجع والمكتبات ليعرفوا من هو هذا الكاتب الذي يبدو أنه كان وسيماً ومشعاً وواعداً لفترة من الزمن، كانت هي الفترة التي تعرفت فيها اليه صديقة سارتر. بيد أن المهم في هذه الحكاية هنا، ليس العلاقة بين آلغرين ودي بوفوار... بل ما اكتشفه النقاد والقراء حين راجعوا أعمال آلغرين من أنه، في حقيقة الأمر، كاتب مظلوم، وكان يستحق شهرة أوسع من تلك التي كانت له، إضافة الى اكتشافهم ان واحدة من مشاكله كانت في كونه كاتباً مقلاً... أي انه لم يكن غزير الإنتاج ولا واظب عليه... بل ان الأدهى من هذا هو ان من بين الروايات القليلة التي صدرت لآلغرين، لم تشتهر في شكل جدي سوى واحدة هي «الرجل ذو الذراع الذهب». بل ان هذه الرواية اشتهرت الى درجة أن كثراً اعتبروها العمل الوحيد لكاتب صرفته شؤون الحياة عن الاهتمام بالكتابة أكثر.
> مهما يكن من أمر، فإن «الرجل ذو الذراع الذهب»، كانت أكثر حظاً من كاتبها، إذ انها اعتبرت دائماً أول رواية واقعية سوداء صدرت في الولايات المتحدة خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كما انها الرواية التي فازت بأول جائزة قومية للرواية عام 1950… ناهيك بأن كثراً من الكتّاب، ومن بينهم إرنست همنغواي استفاضوا في مدحها… كما ان الجمهور يعتبرها دائماً الرواية الأكثر شعبية التي كتبت عن مدينة شيكاغو. ذلك أن أحداث الرواية تدور بالفعل في الأحياء البائسة لمدينة شيكاغو خلال سنوات الكساد الاقتصادي بالتحديد، ما يضاعف من كم البؤس الذي تحمله، والذي تتعارض صورته تماماً، من ناحية مع صورة الحلم الأميركي المعهودة، ومن ناحية ثانية مع صورة شيكاغو التي تحكمها العصابات. هنا تبدو لنا شيكاغو وكأنها مدينة من العالم الثالث، كما تبدو الشخصيات أقرب الى الحثالة منها الى الأنماط الأميركية المعهودة.
> تتمحور أحداث الرواية حول المدعو فرانكي ماتشينيك، أحد أبناء أكثر الأحياء بؤساً في المدينة. وهو، انطلاقاً من اسمه يلقب بـ «فرانكي ماشين» (أي الآلة)، لأن ذراعه من القوة وسرعة الحركة ما يجعلها أشبه بالآلة... ومن هنا كان له لقب آخر هو الذي استعاره عنوان الرواية «الرجل ذو الذراع الذهب». وفرانكي هذا المتحدر من أسرة شديدة الفقر يستخدم ذراعه ومواهبه للعمل موزع ورق في ناد سري للقمار... لكنه في الوقت نفسه يحلم بأن يصبح عازف طبل في فرقة جاز. ولفرانكي هذا زوجة أصيبت بحادث سير أقعدها على كرسي متحرك شالاً حركتها. لكن الحقيقة هي أن صوفي، الزوجة، ليست مشلولة تماماً، بل هي تدّعي ذلك كي تتمكن ان ابقاء فرانكي الى جانبها طوال الوقت... طالما انه هو الذي كان يقود السيارة ثملاً، حين وقع الحادث، ما جعله عرضة لعقدة ذنب، تجاه زوجته، تستبد به! وإذ يتصاحب هذا مع حزن وبؤس يلمّان بحياته اليومية، لا يجد أمامه إلا المخدرات يتعاطاها كي ينسى كل ذلك البؤس الذي يعيش في أحضانه. صحيح انه في وعيه بين حين وآخر يحاول أن يتمرد على إدمانه المخدرات... غير أنه في النهاية يستسلم ويصبح عبداً لها... وإذ يتبيّن له أن عبوديته هذه لن تنتهي بسهولة... لا يجد نفسه أمام يأسه إلا وقد قتل بائع المخدرات الذي يمده بها. وفي البداية، بعد أن يرتكب جريمته يهرب، لكنه لاحقاً، أمام تعبه ويأسه مما سيحل به لاحقاً، لا يجد مهرباً من الاستسلام للشرطة التي تطارده. غير أنه بدلاً من الاستسلام ينتحر واضعاً حداً لحياته.
> لقد كانت رواية «الرجل ذو الذراع الذهب»، في ذلك الحين واحدة من أكثر الروايات الأميركية سوداوية، كما أشرنا... وهي تبدو فاقدة الأمل كلياً، خصوصاً أن آلغرين أعطى بطله فرانكي من السمات والمواصفات وآيات الارتباط بالمكان والزمان، ما جعل هذه الشخصية تتجاوز فرديتها وخصوصية حالتها، لتصبح أشبه برمز يشير الى جيل بأسره من أبناء مدينة شيكاغو والأحياء البائسة فيها... بل لربما يصح أن نقول: أتت الشخصية رمزاً لأجيال بأسرها من الأميركيين، بيضاً وسوداً وغير ذلك، من الذين، بعد أن أغرقتهم أيديولوجيا الحلم الأميركي ومجتمع الرفاه، وأميركا المشعة على العالم بعدما أنقذته من النازية، ها هم يكتشفون انهم، هم، لم يستفيدوا شيئاً من ذلك كله. ومن هنا ما رآه النقاد في هذه الرواية من نظرة قاسية على مجتمع بأسره، أكثر منها رواية عن شخصية ميلودرامية. صحيح أن الرواية تصور لنا، وبقوة، إدراك فرانكي لواقعه، وترينا كيف أنه لم يتوقف للحظة عن محاولة الإفلات من ذلك الواقع. (بل إن ثمة من النقاد من رأى في انتحار فرانكي، مسعى لمقاومة ذلك الواقع) غير أن تصوير آلغرين للنهاية على تلك الشاكلة، جعل كثراً يتساءلون: أليس ثمة، إذاً، بصيص أمل واحد؟
> غير انه سيكون من الظلم الإضافي لهذه الرواية أن نحصرها في هذا البعد الفكري – الأيديولوجي، متعاملين معها، تعاملنا مع كتّاب في علم الاجتماع. ذلك ان «الرجل ذو الذراع الذهب» هي – أيضاً – رواية، ذات أسلوب فني شيق... ولو فقط في مجال رسم الشخصيات بتناقضاتها وخصوصاً بساعات حنينها وساعات قسوتها، ما يذكر الى حد ما بما اعتاده كتّاب أميركيون في هذا المجال (وعلى رأسهم جون شتاينبك ثم لاحقاً كارلسون ماكالرز) من رسم حنون لشخصيات هي ضحية أقدارها ومجتمعاتها حتى حين تبدي ما تبديه من الشر. وعلى هذا يجد القارئ متعة كبيرة حين تطاوله في الرواية بقية شخصياتها، البائسة حقاً، لكنها مع هذا مملوءة بالحياة، وتعرف كيف تستخلص من البؤس اليومي وسائل للبقاء... شخصيات لن يكون من التعسف القول انها تبدو شبيهة الى حد كبير بشخصيات نجدها في بعض أروع قطع الأدب الروائي المصري (من «زقاق المدق» لنجيب محفوظ، الى «وكالة عطية» لخيري شلبي). هذا النوع من الشخصيات التي تخترع الحياة وتعيد اختراعها في كل مرة من جديد. ثم، إضافة الى هذا كله، لن يكون غريباً هنا أن نجد كثراً من الكتّاب ينظرون الى «الرجل ذو الذراع الذهب» كرواية تحاول، في شكل أو في آخر، أن تتصدى لظاهرة الإدمان على المخدرات. وما يأس فرانكي ثم انتحاره في حربه ضد المخدرات سوى علامة قوية على هذا.
> لم يكتب نيلسون آلغرين (1909 – 1981) طوال حياته، سوى سبعة عشر كتاباً بين رواية ودراسة وكتب حوارات، علماً أن ثلث هذه الأعمال لم يصدر خلال حياته، بل إن أعماله لا تزال تكتشف حتى اليوم وتنشر... ومن آخر ما نشر له، مجموعة من النصوص تحت عنوان «تفخيخ وكتابات أخرى» (2009). وهو في الأصل من مواليد ديترويت (ميتشيغان) انتقل وأهله الى شيكاغو التي سرعان ما صارت موطنه، واشتغل فيها في عدد من المهن، على عادة الكتّاب الأميركيين قبل أن ينصرف نهائياً الى الأدب والتجوال حول العالم... ونذكر ان سيمون دي بوفوار رسمت صورة قلمية له في روايتها «المثقفون» (1957) تحت اسم لويسي بروغان.

 
   
 


 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced