شذرات من سيرة فنان كبير .. كمال السيد
نشر بواسطة: Adminstrator
الإثنين 09-02-2009
 
   
طريق الفن وعر ومحفوف بصعوبات جمة، فلا يقال هذا فنان إلا بعد أن يقدم ما هو جديد وأصيل، فليس كل ما يلمع ذهباً. القليل ممن كتبوا عن الفنان المتألق المرحوم كمال السيد أعطوه حقه هذا الرائد الذي تميز عن مجايليه من الملحنين –آنذاك –بموسيقاه وألحانه الهادئة والمعبرة والبعيدة عن التقليد... أو اختطاف الألحان من هذا وذاك، فهم لم يكتبوا عنه إلا النزر اليسير، ولم يذكروا شيئاً عن سيرة حياته القاسية في طفولته وشبابه في مدينة الناصرية هذه المدينة التي احتضنته وأحبته وهو يرسم لنفسه طريقاً واضح المعالم فكانت حياته حافلة بالاستقامة لم تزل قدمه يوماً إلى ما لا يرضي الناس أو زل لسانه بما يخدش حياء الآخرين ظل سائراً بنفس ملؤها الأمل، والثقة والانفتاح، لم
يطرق باباً بقصد المساعدة للوصول إلى غاية ما. وسعى دون كلل أو ملل لتطوير معارفه الفنية وثقافته الموسيقية، كتب بالطباشير على باب غرفته بيتاً من الشعر كثيراً ما يردده :
وما نيل المطالب بالتمني/ ولكن تؤخذ الدنيا غلاباً


لقد حظي باحترام وحب الناس في الناصرية وكانوا يخاطبونه ب ( السيد ) لبساطته وحبه للناس فكان يشيع السلام والتحية بين الناس ويتعاطف
معهم ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم وكان يتمتع بشخصية قوية استطاعت أن تذلل المآسي والصعاب التي حفت بحياته. والتي كانت سعادة مؤقتة وشقاء مستمر. فمنذ طفولته وشبابه عاش محروماً من حنان الوالدين، ولم يكن له أخ أو أخت ماتت أمه.. ثم أبوه وهو لم يزل يافعاً فتكفله أعمامه. عرفت كمال السيد طالب تلميذاً وطالباً ملتزماً ومؤدباً لم يكن مجتهداً في دروسه بسبب ظروفه الحياتية القاسية إلا انه لم يعرف الزعل أو القطيعة مع الآخرين إلا ما ندر رغم حساسيته المفرطة.
حدثني يوماً قائلاً : إن زوجة عمي تتضايق من وجودي في بيتها، إلا انه لم يخبر عمه بذلك حفاظاً على علاقتهما الزوجية، ولقرب بيتنا من
المتوسطة التي ندرس فيها، كان يفضل البقاء في بيتنا نراجع دروسنا سوية وقبيل الغروب نذهب إلى بيت عمه في دور الإدارة المحلية. وعند تخرجنا من المتوسطة، تقدم إلى معهد الفنون الجميلة قسم العود، وكان من الطلبة المتميزين، وقد احترمه وأحبه أستاذه الكبير المرحوم جميل سليم الذي أحاطه بالرعاية والتوجيه وكثيراً ما حدثني عن علاقته الطيبة به. والذي اخذ عنه الكثير، وتقمص روحيته في العزف والأداء حتى أصبح عازفاً متمكناً. وبعد تخرجه من معهد الفنون الجميلة، عيّن معلماً على ملاك تربية الناصرية عام 1965 / 1966 ونسب إلى النشاط المدرسي والتي سبقها إليه موسيقيون أصبح لبعضهم حضورا مميزاً في الفضاء الغنائي والموسيقي العراقي منهم: طالب القرة غولي، عبد
الحسين الانباري صباح الفلفلي، صبري خليل عوض، إضافة إلى فتاح حمدان، فوزي عبد العزيز، حسن الشكرجي، احمد كنو، صباح محمد
حميد/ وحسين نعمة.


مواقف وأحداث


في أحدى حفلات تربية الناصرية كنا متهيئين لصعود المسرح وتقديم فقرتنا، طلب منا كمال السيد أن ننصب آلاتنا على آلة ( الدبيازون ) لأنها
أدق من جميع الآلات الموسيقية الهوائية وخاصة آلة  ( الاكورديون )  إلا إن الأستاذ ( صبري خليل ) رفض ذلك وطلب أن يكون النصب على آلة الاركوديون والحقيقة إن الاثنين على حق، وأصر كل منهما على رأيه وعند تدخلنا، اقتنع كمال وقدمنا فقرتنا.


* كان المسؤولون في الناصرية يكنون له التقدير والاحترام، وخاصة مدير التربية في الناصرية السيد بهجت الإمام، والذي كان أكثر الناس
تشجيعياً لألحانه وكان يحضر التدريبات الخاصة باوبريت ( جنيات الوادي ) .


*  وبعد تعيينه في مديرية النشاط اثر أن يسكن في احد فنادق الناصرية، بعدها استأجر هو والفنان كاظم إبراهيم داراً بسيطة في شارع الحبوبي ( عكد الهوى ) وسكنت معهم ( أم كاظم ) أم كاظم إبراهيم والتي كانت ترعى الاثنين معاً، وقد وجدناها أما حنونة لكمال، كنا نزوره في غرفته البسيطة التي اقتصر أثاثها على سرير نوم وفراش بسيط وكرسي واحد أو كرسيين، وفي هذه الغرفة انبثقت الكثير من ألحانه مثل: ( ( ابو الهيل، اوبريتات جنيات الوادي، تمر بيه، هي ولك يا بلام، گصت المودة، ما بدلك والنبي ).


اوبريت جنيات الوادي


يستحق هذا الاوبريت الذي كتبه/ قيس لفته مراد، وأخرجه المخرج المبدع صالح البدري وقدمته تربية الناصرية سنة ( 1971 / 1972 ) ولقد تميز هذا الاوبريت بألحانه العذبة، ذات الانسيابية الجميلة والموسيقى الرائعة، عن الاوبريتات التي قدمتها المحافظات الأخرى، والذي حصل على المرتبة الاولى فيما حصل اوبريت  ( الحمامة ) لتربية البصرة، من ألحان الفنان كوكب حمزة على المرتبة الثانية.


اوبريت ابو الهيل


في عام 1970 / 1971 كنا في بغداد واشتركت مديريتنا في اوبريت ( ابو الهيل ) وهو من كلمات كاظم الركابي وألحان كمال السيد وقدم على مسرح وزارة التربية والذي حصل على المرتبة الاولى ايضاً والذي تألق فيه الفنان المرحوم فتاح حمدان، والذي قام بدور ابو الهيل تمثيلاً وغناءً. والفنان فتاح حمدان كان اكثر المطربين تقبلاً وحباً لالحان كمال السيد فغنى له ( مابدلك والنبي، وگصت المودة، تمر بيه ) وربما
هناك اغنيتان او ثلاث لم تجد طريقها للاذاعة بسبب انتمائه السياسي. وانعكس ذلك على اغاني فتاح حمدان التي كان بثها قليلاً، مما ادى الى
اندثارها بسبب ضعف العلاقة مع مقدمي البرامج، مما دفع كمال السيد الى مفاتحة احد مسؤولي الاذاعة وشكاه اهمال الحانة، وقد تحقق له ما
اراده لمدة قصيرة ثم عادوا لاهمالها من جديد.


لقد كان كمال حريصاً على متابعة ما قدمه وما سجله من اغانٍ جديدة، واكثر الاوقات كان الاخفاق حليفه، رغم جديته وسفره الدائم لبغداد وكان لا يعرف اليأس ويعيد اكثره مرة ومرتين حتى ينال مبتغاه.
> قبل عرض اوبريت ( ابو الهيل) بيوم حدثت مشادة كلامية بين كمال السيد والفنان حسن الشكرجي، والذي كان من اقرب الناس الى كمال واسبابها فنية والتي اثارت تحفظاتنا ومخاوفنا من انعكاسها على طبيعة الاوبريت وفي اليوم الثاني، وبحضور وزير التربية واعضاء اللجنة التحكيمية، ابدع الفنان حسن الشكرجي في عزفه وادائه، وكأن ما حدث بينهما ( زعل حبايب ) فقط وعندما حاز الاوبريت على المرتبة الاولى هنأ الشكرجي كمالاً الذي شكره على ادائه، واعتذر عما بدر منه في اليوم الماضي. وكنا جميعاً نؤمن بان الفن شجرة وارفة الظلال جذورها المحبة والتسامح ونكران الذات.


* من الجدير بالذكر ان الاوبريت الاول له هو ( البائع والمشتري ) وهو من كلمات بلقيس نعمة العزيز وقدم على مسرح الرشيد عام 1969 / 1970 وحاز على المرتبة الاولى ايضاً.
* في احد الايام شكا لي كمال من وخزات في الجهة اليسرى من صدره، وطلبت منه الذهاب الى الطبيب ، قال بالحرف الواحد "ان الطبيب سيخبرني بما لا اريد سماعه فيؤزم حياتي ويزيد همي".. ولم يذهب لمراجعة طبيب طيلة بقائه في الناصرية.
* التقت به الفنانة المغتربة ( ايمان ياس ) وبثته احدى الاذاعات اعتقد انها "صوت العراق الحر" ورداً عن سؤال ( من هو اقرب اصدقائك؟) اجاب : كان لي صديق في الناصرية عاش معي حياة الطفولة والشباب حتى سفري، اسمه )صباح محمد حميد( اعتز به، الا انني لا اعلم اخباره.


علاقته بالفنان حسين نعمة


كانت علاقته بالفنان الكبير حسين نعمة علاقة حميمة وطيبة، فلقد لحن له اغنية ( هي ولك يبلام ) التي تألق فيها حسين نعمة، ومما يذكر ان الاغنية قبل تسجيلها للاذاعة قدمت في احدى حفلات التربية الرسمية على شكل لوحة راقصة قدمتها طالبات احدى مدارس البنات بمصاحبة الفنان حسين نعمة.


اغنية البنفسج


زرته يوماً في غرفته التي كنا نطلق عليها اسم الصومعة فوجدته متأثراً وقد اخذ الانزعاج منه مأخذاً وعند سؤالي عن اسباب هذا الانزعاج قال لي "لقد لحنت قصيدة للشاعر مظفر النواب عنوانها )البنفسج( ولكني فوجئت بعد ان اخبرني احد الاصدقاء ان الفنان طالب القره غولي قام بتلحينها ايضاً، وعند ذهابي الى طالب القره غولي في نفس اليوم، عن صحة الخبر اجاب: بانه فعلا قام بتلحين هذه القصيدة، ولكنني
لم اعرف مسبقاً بان كمال لحنها..
واضاف : اذا تطلب الامر فلا مانع من ان نعرض اللحنين امام محكمين. ولما سمع كمال جواب طالب، ابتسم وقال: ليس بيني وين طالب افضلية نحن اخوة ولن تفرقنا او تضعف علاقتنا مثل هذه الامور ولم يُسمع لحنه لاحد لئلا يؤثر على لحن طالب او يدخل الموضوع في تأويلات هو في غنى عنها.


زامل سعيد فتاح واغنية المگير


امتازت علاقته بالمرحوم الشاعر زامل سعيد فتاح بالحب والاحترام وكان يزوره دائماً لتجاور داريهما، وعند اطلاعه على آخر نتاجاته الشعرية وهي قصيدة  ( المگير):


"مشيت ويا للمگير اودعنة
مشيت وكل كتر مني،
انهدم بالحسرة والونة"


وجد فيها مضامين وصوراً شعرية يمكن ان تفضي به الى فضاء جديد وفعلاً وجدت هذه الاغنية طريقها الى نفس الناس مع ما يحمله صوت الفنان ياس خضر من طاقة تعبيرية تساوقت تماماً مع اللحن.
من الجدير بالذكر لقد عانى كمال السيد كثيراً عند تحفيظ الاغنية للفنان ياس خضر، فهو في الناصرية وياس في بغداد. وفي احد الايام سالته: ما اخباراغنية المگير؟ قال لي: ذهبت الى بغداد للقاء بالاستاذ ياس خضر لغرض اكمال التدريب على الاغنية لاقتراب وقت التسجيل، خاصة وان في الاذاعة استوديو واحدة، والتسجيل يجري وفق حجوزات مسبقة، فأخبروني انه سافر الى الكوت لاحياء بعض الحفلات، فاضطررت للسفر الى الكوت والتقيت بالفنان ياس خضر، وشعرت وقتها انه يتهرب مني.. وقد اتعبني كثيراً في حفظها بالاضافة الى منغصات الاذاعة. ولكن بعد تسجيلها وبثها، كان النجاح حليفها، وكتب لها الخلود.


* هناك اشخاص كان لهم تأثير كبير في حياة كمال السيد هم الاخوين جاسم وجعفر هجول من الحلة، اذ كانا يقصدانه الى الناصرية بشكل منتظم لتتبع احواله وسماع ألحانه بصوته والوقوف على جديده وحثه وتشجيعه، وكان بيت السيد رؤوف سعيد الطاهر حاضنة لمحبي فن كمال، والذي وقف الى جانبه ورعاه وآزره في اصعب الظروف ..

 
   
 


 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced