الخبزُ المرّ
نشر بواسطة: iwladmins
الإثنين 04-01-2021
 
   
لبنى شرارة بزّي

بعدَ عناء كبير وصلَت نوال بسيّارتِها المتهالكةِ إلى محكمةِ المدينةِ التي تقطنُ في أحدِ أحيائها الشعبيّة مع زوجها و أولادها الثلاثة منذُ تاريخ زواجها. كانت تحاولُ قدرَ الإمكانِ التركيزَ على القيادةِ في زحمةِ سيرِ الظهيرةِ الخانقةِ وهي تسترجعُ شريطَ ذكريات العمرِ الذي انصرمَ. ذكرياتٌ كثيرةٌ استحضرَتها مخيّلَتُها وبدأت تتزاحمُ لتدقَّ بقوةٍ بابَ قلبِها فتوقظ فيه الحبَّ والحنينَ. فهي ما كانت يوماً حقودةً حتى تتركَ زوجَها وتنسى العِشرةَ الطويلة معه، ولا أنانيّةً إلى الحدّ الذي يسمح لها بأن تتركَ أطفالَها عرضةً للتشرّدِ و التشتّتِ بين الأب و الأمّ، تقذفُهم رِيحُ الخلافات الزوجيّةِ "ذاتَ الشمال وذاتَ اليمين" فيعانون القلقَ و الحرمانَ و التحسّرَ على أبسطِ حقوقِ العيشِ كباقي أترابِهم الّذين ينعمون بحياةٍ كريمةٍ في كنفِ أبّ و أمّ مُتّفقين متوافقين قلباً وعقلاً و إرادة. تلك هي نقطةُ الضّعفِ التي كانت تكسرُ قلبَها و تلوي ذراعَها كلّما وقعَت بين مِطرقةِ الطّلاق و سِندانِ البقاءِ على الظّلمِ الّذي تعيشُه.و يا لها من معادلةٍ صعبة الحلّ! بل من أصعبِ معادلاتِ الحياة. فتربيتُها لا تسمحُ لها بخيانةِ "خبزِ وملحِ" العشرةِ، حتّى و إن كان الخبز مُرّا كالحنظل، لأنّ المرأةَ في العرفِ السائدِ في بيئتها يجب أن تتحمّلَ طِباعَ زوجِها حتى يستقيم، و إنَّ استقامَتَه تأتي نتيجةَ صبرِها و تغاضِيها عن هفواتِه. هذا ما ورثَته عن أمِّها و جدّتِها و خالاتها، و في كل مرّةٍ كانت تتذكّر مَقولة جارتها الوفية "أن ذَنَبَ الكلب لا يستقيم و لو وُضعَ في القالبِ أربعين سنةً"، تعودُ فتُهيمنُ عليها مبادِئُها الأولى التي استقتها من البيت الذي تربّت فيه و تشرّبت منه أصولَ الحياة الزوجيّة. لكنّ الحالَ الذي وصلت إليه مع زوجِها أصبحَ لا يُطاق، وإن كانت قادرةً على التحمّلِ و قبولِ الواقع على مَضَض فأولادها لن يقدروا على ذلك، و الخوف من احتمال خسارة أحدهم بتركِه البيت و لجوئِه إلى مكان أكثر أماناً و استقراراً يُقلقُ راحتها أكثر من سوء خُلقِ و سلوكِ زوجِها المنحرف. حين وصلَت إلى هذه النقطة من استعراضِها للهواجسِ التي تأسر روحَها و تفكيرَها، أحسّت ببرودةٍ تسري في أطرافها و شعرت بأنّ دقّاتِ قلبها بدأت تَضعف و تتلاشى، فاستجمعت ما تبقّى من قوّتها و شجاعتها ثمّ مدّت يدها إلى مقبضِ بابِ السيارة و بأصابع مرتعشة شدّته وفتحته. تلقّت بوجهِها الشاحبِ المُتعبِ نسماتٍ صيفيّةً عليلةً فأحسّت معها بعودةِ أنفاسِها المتهالكة و تنسّمت رائحة الحرية التي افتقدتها طِوال السنين العِجاف التي عاشَتها مقيّدة بقيود العادات و التقاليد البالية. التمعت في ذهنها فكرةُ الخلاص فأنارت الطريق أمامها، نزلت من سيارتها و راحت تسير باتّجاه  باب الدخولِ إلى المحكمةِ، لكنْ بخطواتٍ بطيئةٍ متردّدة. على مسافةٍ قريبةٍ وقفَت تراقب البابَ المغلق و تفكّر: إنّ زوجَها الذي يغرقُ في المخالفاتِ القانونيةِ لا يمكنه بأيّ حالٍ من الأحوالٍ أن يفلتَ اليوم من يد القضاء. فلم تكن مشكلتا الإدمانِ المزمن على شربِ الكحول ولعبِ القمار هما المشكلتان الوحيدتان اللّتان تنغّصان عليها عيشَها وتحرمانها من أبسط الحقوقِ التي وُهبت لها من قبل الخالق الكريم، ولم تكن تهمةُ التعنيف الذي يقدمُّه لها كوجبةٍ غذائيةٍ كلّما عاد ثمِلاً او مُفلساً هي التهمة الوحيدة التي تدينه، فهو رجل ذو سوابق كثيرة ولطالما توقّعت أن يأتي اليوم الذي يدخل فيه السجنِ بعد طول تهرّبٍ من القانون.

بقيت واقفةً مكانها ونبضات قلبها تتسارع. اخيراً أطلّ الزوجُ من باب المحكمة مكبّلاً بالحديد يقوده رَجُلان من رجال الشرطة و هو ينظرُ إلى الأرض بحزنٍ بادٍ على محيّاه، فبدا بهيئة الضعيف المهزوم وتلك حالةٌ غريبةٌ وبعيدة عن شخصيّته التي تتّسم بالتمرّد وشراسة الطبع. فمنذ  تاريخ زواجهما ما فتئ يكيل لها العنف بشتّى أشكاله مقروناً بالتهديد والوعيد بأنّه سيرميها في الشارع يوماً ما بلا شفقة أو رحمة. فجأة، انتبهَ الى وجودِها فرفعَ رأسَه وراح ينظر إليها بتودّدٍ واستعطاف.

أشاحَت بوجهِها عنه وكادَت أن تغادرَ قبل سماع صوته الضعيف يردّد اسمها مراراً ثم يردف قائلا :"أرجوكِ اسمعيني للمرّةِ الأخيرة، فانا أحبّك وأعِدُك بأن اتغيّرَ، إمنحيني فرصةً أخيرةً وسَتَرَين أنّني صادقٌ فيما أقول". توقفت عن السير، التفَتت إليه، ومع ابتسامةٍ تحملُ الكثيرَ من المرارة رمته بنظرةِ  ازدراءٍ، هزّت رأسَها هزّاتٍ خفيفةً ثم استدارَت عائدة إلى سيارتها.

وصلت إلى منزلها خائرةَ القوى، فلم تسمع الكثير من الأسئلة التي كان يطرحها عليها اولادها، فقط أخبرتهم أنّها متعبة جدّا وأنّها تحتاج إلى فترة طويلة من النوم. طمأنتهم "أنّ كلَّ شيءٍ سيكون على ما يرام بعون الله"، ثمّ اغلقت باب غرفتها الصغيرة وألقت بجسدها النحيل على الفراش. استيقظت في الصباح متأخّرة على صوت طرقاتٍ خفيفة على بابِ الغرفة، فتحت فإذا بابنها الأكبر أتى حاملاً إليها الفطور و الجريدة اليومية. تناولت الجريدة و راحت تقرأ الحكمَ الصادر على زوجها. جلست على حافّة السرير فجلس الابن البارّ بقربها وضمّها الى صدره ثمّ همس:" كلّ شيء سيكون على ما يرام، لا تقلقي يا أمّي، لا تقلقي". بكيا بحرقة فاختلطت دموعهما الصامتة و معها اختلط الألم بالأمل.

 
   
 


قصة قصيرة رائعة و3ماتعة من الواقع الاجتماعي
..سرد رائع .. احسنتِ.. تحياتي لك




 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced