فجيعة الشوارع وبلسم الذكريات .. قراءة في رواية ابتسام يوسف الطاهر
نشر بواسطة: Adminstrator
الأربعاء 27-05-2009
 
   
كاظم الجماسي / المدى
يعد جنس الرواية من الأجناس الأدبية الشائكة والبالغة التعقيد بالنسبة للمتصدي لكتابتها ، اذ عليه ان يقيم عالما ضاجاً بالحيوات والعلاقات والمصائر فضلاً عن خلق ملامح مقنعة لشخصيات تولد وتعيش ومن ثم تموت مع متابعة تطورها ونموها النفسي والاجتماعي ، كما تقتضي آلية الكتابة الروائية الرصد الدقيق لمراحل نمو الصراع عبر تجسيدها بإحداث تحتل مراتب متعددة ، رئيسة وثانوية وبحوارات ايضاً متصاعدة تؤدي وظائف متعددة ، فمن جهة تديم توهج الحدث ، ومن اخرى تعكس وعي الشخصية ومواقفها إزاء مايجري لها وللاخرين ، وبالطبع تلعب تقنيات السرد (الوصف، اللغة ، التداعي المشروط أو الحر ، الكناية ، الاسترجاع ، وغيرها...) تلعب تلك التقنيات دوراً حاسماً في عملية التوصيل بسطحيها الأولي والإبداعي.

كتابة رواية إذن مهمة شاقة تشترط توافر كل ذلك في ظروف قياسية تمنح كاتبها القدرة على مسك خيوطها بنحو متوازن وفي أجواء نفسية مناسبة ، وفي رواية (صمت الشوارع وضجيج الذكريات) للكاتبة العراقية المغتربة (ابتسام يوسف الطاهر) تتبدى مقدرة طيبة في الامساك بخيوط السرد من اولى الصفحات وحتى الصفحة (370) وهي الصفحة الاخيرة ، أذ توثق مرحلة حاسمة من التاريخ السياسي والاجتماعي والنفسي للعراق بعد انهيار مملكة الاستبداد في (9/4/2003) وما جرى من اضطراب حاد في الحياة الاجتماعية والنفسية لدى العراقيين  بعد إزاحة غطائه السلطوي الهش على الرغم من مظهر جبروته الخادع .
وتمتاز الرواية  بالإضافة إلى ذلك ببناء أسلوبي متين أذ تمارس لعبة السرد عبر ضمير المتكلم عند أربع شخصيات هي (ام سماح) و(علاء) و(ليلى) و(نداء) بتناغم صوتي (بولوفيني) يقترن بنمو وتيرة الحدث طوال زمن السرد ولعب الوصف من حيث شعريته وسلاسته دوراً واضحاً في أضفاء مسحة جمالية خاصة على لغة السرد (( انتظرته اشهراً ، انتظار المريض لسيارة الاسعاف ، أو انتظار غصن ناشف لماء المطر... شيء في داخلي يحترق ولم يطفئه الدمع ... ثم صرت أتساءل هل اسامحه ، هل نقدر على طي الصفحات ونبدا من جديد ، أم أن الاسطر القديمة ستلاحقنا؟)) (ص201)  على لسان ليلى ... أو ((... فكانت الغربة كما لو أنها زورق بلا مجذاف ، في بحر لا حدود له تتلاطم أمواجه ، فيتناءى الكلام وقد دهمه الخوف ، ليحل محله الصمت ، تلذعنا سياطه مع كل التفاته ...)) (ص299) على لسان نداء التي تم تهجير عائلتها بسبب قرار مجحف أتخذه نظام صدام بحقهم كونهم من التبعية الايرانية.
لقد حفلت الكثير من الروايات، سواء كانت عراقية، أم عربية، أم مترجمة  بضمور مستديم في رسم ملامح الشخصيات سوى أن رواية (صمت الشوارع وضجيج الذكريات) امتازت برسم ملامح واضحة لشخصياتها الأربع الرئيسة وايضاً لعدد من شخصياتها الثانوية ، إذ تابعت نموها وتطورها وهي تصطرع مع نفسها او مع الآخرين أو وهي تبتهج وتحزن أو هي تفكر وتتذكر وهو امر يحسب للروائية ابتسام الطاهر سيما لتجربتها الروائية البكر ... وعلى الرغم من ذلك علينا أن نؤشر ايضاً أن خطاب تلك الشخصيات والذي حمله ضمير المتكلم لم يكن متمايزاً مثلما هي ملامحها ، إذ كان متشابهاً او متطابقاً في مواضع عدة ، كما ظل خطاب الراوي مهيمناً على الحوار بغير ما حساب لجنس المتكلم او عمره ، او مستوى ثقافته ، تقول عمة نداء وهي امرأة كبيرة في السن وبسيطة من حيث التعليم  (( - إنها الحرب يا عزيزتي ، حيث تظهر كل العفاريت وتفتح كل البالوعات لتتجول أشباح الفوضى والجرائم بحرية وبلا رادع ...)) (ص208).
ولابد أيضاً من تأشير الالتباس الحاصل في الحوار بين الفصحى والعامية ، أذ يخرج عن طوق سيطرة الروائي ، في بعض الحالات القليلة ، تقول نداء        (( - الله يعينكم  ، ويكثر الحبايب بس اكيد كلكم تعبانين ... ولابد من المساعدة...)) (ص332) ، لقد استخدمت الروائية ابتسام الطاهر آلية حديثة نسبياً في الفن الروائي ، وكانت مجيدة فيها ، آلية (الحكاية داخل الحكاية) إذ توافر خزين من الحكي أنساب بتلقائية وسلاسة واضحتين  على ألسنة  الساردين ، وكانت له فاعلية توكيدية لمدلولات السرد أذ دفعت به الى الامام عابراً بتناغم مراحل الحدث الروائي ، سوى ان الروائي وقع في مطب إرباك القارئ بشأن علاقات القربى المتداخلة ، مثلاً حكاية الابن عن أم صديقة التي استشهد زوجها لتتزوج مصرياً ولتحصل على مكافأة أرامل الشهداء ثم السؤال  عن أبيه  والإجابة عنه وماتلاها (ص186-187).
  على الرغم من جمال لغة السرد ومطواعيتها ومتانتها ، اكتنفها بعض القصور إذ شكلت آلية (الراوي العليم) عبئاً على مقبولية  السرد ، سيما التقريرية. تقول نداء ( شعرت بإحراج ، لا أدري ما انا فاعلة ، بل هو إحساس بعجز وقلة حيلة...)(ص331).
وفيما يخص الثيمة فقد كانت مهيمنة الغربة والخوف المزمن المقترن بها طاغية على احداث الرواية منذ الصفحات الأولى، إذ تقول ام سماح (العيون تتطلع في كل الاتجاهات للحاق بالمجهول أو لاستكشاف الغد الآتي برغم الخوف منه، الكل خائف، القادم خائف والذاهب خائف...))(ص7). لتنوء بحملها الثقيل على النفوس وتمتد كما الحبل المشدود بين ذروتين او زمنين ، ماض وحاضر ، حبل على هاوية الحاضر لتتكرس تلك المهيمنة بمنولوغ الخوف على لسان نداء في الصفحة ماقبل الاخيرة (( صرت اسمع نبض قلبي ... بل شعرت وكأنه قد غاص في إحشائي، حاولت أن اتمالك مشاعري لأبدو طبيعية ، فلا ادري ما الذي سيواجهنا ...)) (ص368).
ان رواية (صمت الشوارع وضجيج الذكريات) وثيقة حية رسمت لنا صوراً ناطقة بالفجيعة العراقية ، هذه الفجيعة غير المسبوقة والتي مازلنا نحترق ببشاعة قسوتها وايلامها المفرط ، وان كتابتها – الرواية – في هذا الزمن بالذات مغامرة باسلة تتصدى لها ابتسام الطاهر بمقدرة لافتة ، وعلى الرغم من كل ذلك أنها تدعونا لمحاكمتها في شأن جوهري يترشح عن عالمها الفسيح ويدفعنا للتساؤل، هل يشفع للسارد – الروائي بوصفه أنثى، المؤلفة، أم سماح، ليلى، نداء، تهميش الذكر ؟ على الرغم من حضور (علاء) الشبحي ومغادرته مساحة السرد بإنفجار ارهابي ، وكذا كمال ابن ليلى، وكامل – الخائن – او سائق السيارة – أبو زينب – ثم ابو صادق وابنه ، وهل هي حالة (سايكوبات) أنثوي إزاء سلطة مجتمعية – ذكورية؟ وهو امر مفهوم إذا كان انتصاراً للمظلومية العتيدة التي لحقت بالانثى ، ولكن ماهي مهمة السرد الروائي حصراً ؟ ان مهمته الاولى خلق مكتمل يتحايث مكانياً و زمانياً وبالتالي وجودياً مع الواقعة التاريخية ، وهي حتماً تتضمن طرفين فاعلين على أرض الواقع وفي مساحة السرد ، طرفان لا غنى لأحدهما عن الآخر ، هما أنثى وذكر.
ربما ارادت المؤلفة خلال تتابع وحدات السرد بقصدية الثأر من السلطة سواء كانت مجتمعية او ذكورية ما انعكس بالتالي على ضعف التوازن في إيلاء الاهتمام المتكافئ بشخصيات الراوية ، الامر الذي يمكن أن يلمسه قارئها.
في الختام لابد من الاشارة الى الاستشهاد في بالعنوانات الفرعية للفصول بإبيات من الشعر العربي القديم ، أجد ليس من ضرورة ملجئة لذلك فضلاً عن كون الاستشهاد بها شكل نوعاً ما من الاساءة لمصداقية سرد الفجيعة العراقية التي لم يكتوِ بلهبها احد غير أهلها ، كما تؤكد الكاتبة في أكثر من مشهد سردي وحوار ، واذا كان الامر ضرورياً لاكمال رسم تلك الفجيعة ففي خزانة الشعر العراقي الخالص كثير من الشواهد السابقة على الفجيعة او المزامنة لها أو تالية عليها ، كان من الاجدى الاستشهاد بها ..

 
   
 


 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced