تحلل زهراء علي في هذا المقال كيف تصبح الحرب على النساء طريقة السلطة العراقية لإدارة أزمتها.. عن تعديل قانون الأحوال الشخصية وصعود نظامٍ أبويٍّ وذكوريٍّ أكثر عنفاً في العراق..
قبل عام، سهّل تكتل القوى الشيعية في البرلمان تفكيك أحد أهم الأطر القانونية التي تحمي حقوق النساء في العراق. فما قُدّم بوصفه “تعديلاً” قانونياً لم يكن في الواقع سوى إضفاء طابع مؤسسي على كراهية النساء، وتعميق الحرب الممنهجة ضدهن. ويأتي هذا التطور في لحظة عالمية تتصاعد فيها قوى ذكورية سلطوية وفاشية، من العراق إلى الولايات المتحدة، ما يجعل تداعياته السياسية والاجتماعية أكثر خطورة.
فقدان الإرث، وإن كان محدوداً
في كانون الثاني من العام الماضي، دبَّر اللوبي الشيعي في البرلمان ما يمكن وصفه بانقلاب تشريعي، أدى إلى إقرار تعديلٍ من خلال تصويت صوري، يسمح هذا التعديل باجتزاء قانون منفصل من قانون الأحوال الشخصية، قائم على الفقه الجعفري. وفي آب 2025، أُقرّ هذا القانون المنفصل، المعروف باسم “المدونة الشرعية”.
وقد جرى تمرير هذا التعديل ضمن إجراءات برلمانية متسارعة ومثيرة للجدل، عكست سعياً لفرض تغييرات قانونية جوهرية من دون نقاش عام حقيقي أو مساءلة سياسية.
يتضمن قانون الأحوال الشخصية، الصادر عام 1959، مجموعة من المواد القانونية، منفصلة عن القانون المدني، تجمع حقوقاً وواجبات في مسائل الزواج والطلاق وحضانة الأطفال والميراث. وكثيراً ما تُصوَّر النقاشات الدائرة حوله على أنها صراع بين قوى دينية تسعى لفرض “أحكام شرعية” رجعية ومعادية للنساء، وقوى علمانية تدافع عن حقوق النساء؛ وهذا تبسيط وتضليل. فقانون الأحوال الشخصية ليس قانوناً علمانياً، ولا يُخضِع “الأحوال الشخصية” لجميع المواطنين من جميع الأديان والطوائف لسلطة القانون المدني.
من المهم التذكير بأن وضع قوانين الأحوال الشخصية في العراق والمنطقة، خلال حقبة ما بعد الاستعمار، لم يكن بحد ذاته إنجازاً نسوياً، إذ يُرسّخ القانون نفسه إطاراً أبوياً للأسرة، بل يشير إلى أن حقوق النساء، وأجسادهن، ومكانتهن، وقضايا الجندر والجنسانية، مُسيّسة ومُعرّضة للتفاوض المستمر من قِبَل القوى السياسية التي تُسند السيادة والحقوق والمكانة.
خلال الحقبة الاستعمارية، خضعت حقوق النساء لهيمنة السلطة العشائرية والدينية، مما رسّخ مكانة المرأة كمواطنة من الدرجة الثانية ومعاملتها كطفلة. وبرزت حقوق النساء في صفوف اليسار الراديكالي المناهض للاستعمار البريطاني خارج هذا الإطار. وكانت القوى الثورية اليسارية هي القوى الرئيسية التي دعت إلى المواطنة القائمة على المساواة، بدلاً من قانون منفصل قائم على الجندر والطائفة. وطالبت أكثر هذه القوى راديكالية، في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، بإدراج “الأحوال الشخصية” ضمن القانون المدني، الذي يمنح حقوقاً متساوية لجميع المواطنين بغض النظر عن الجندر أو الطائفة أو الدين.
اختارت الجمهورية العراقية الأولى إبقاء هذه الحقوق منفصلة عن القانون المدني، وفضّلت صياغة القانون في المناطق الحضرية، فألغت المحاكم العشائرية، مع إبقاء شؤون الأسرة خاضعةً للفقه الديني. ووضعت المسلمين تحت سلطة تفسيرات محددة للفقه الشيعي والسني، كانت وقت صياغتها موضع تفاوض بين جهات فاعلة متعددة، بما في ذلك علماء من كلا المذهبين.
عند اعتماده، اعتُبر إطاراً متوازناً لسببين رئيسيين: أولاً، منح النساء حقوقاً عادلة، وثانياً، جمع قراءة متوازنة للفقه من المذهبين السني والشيعي السائدين، مما أتاح الزواج بين الطوائف. والأهم من ذلك، أنه يعني أن الزواج والنزاعات الزوجية سينظر فيها قاضٍ تُعيّنه الدولة، بدلاً من السلطات الدينية.
علاوة على ذلك، مثّل إقرار قانون الأحوال الشخصية مشاركة الجماعات النسوية في التفاوض على حقوقهن، ممثلةً عام 1959 بنزيهة الدليمي، وهي شيوعية وزعيمة رابطة المرأة العراقية ووزيرة آنذاك، وكان هذا القانون آنذاك من أكثر القوانين تقدميةً في المنطقة.
منذ صدوره، وفي كل أزمة، وفي كل منعطف سياسي رئيسي، خضع قانون الأحوال الشخصية لإصلاحات، كما استخدمه نظام البعث الاستبدادي كأداة سياسية في مراحل تاريخية مختلفة.
بدأ الهوس بمهاجمة قانون الأحوال الشخصية مباشرةً مع الغزو الأمريكي، مع صدور المرسوم رقم 137 بمبادرة من عبد العزيز الحكيم، زعيم المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، أحد الجماعات الإسلامية الشيعية الرئيسية التي أوصلتها القوات الأمريكية إلى السلطة عام 2003. كان المرسوم رقم 137 محاولةً لإلغاء قانون الأحوال الشخصية كلياً ووضع قوانين طائفية بدلاً منه. ورغم فشل هذه المحاولة، أُعيد طرحه في المادة 41 من الدستور المُعتمد عام 2005، التي كفلت للعراقيين/ات حرية اختيار “أحوالهم الشخصية” بناءً على معتقداتهم الدينية والطائفية.
وقد شكّلت المادة 41 منذ إقرارها تهديداً بنيوياً لمبدأ المواطنة المتساوية، إذ فتحت الباب أمام تفكيك الإطار القانوني الجامع على أسس طائفية.
من نواح عديدة، تعد المادة 41 من الدستور العراقي، التي صيغت وصُوّت عليها في سياق الاحتلال الأمريكي الوحشي، “نسخة أمريكية” من النظام السياسي العراقي، استولت عليها الجماعات الإسلامية الشيعية في السلطة.
إن ما أقره البرلمان العراقي يعني الرجوع إلى نظام قانوني يعود إلى عهد الملكية ومحاكمها الدينية والقبلية والطائفية، ومحو إرث الجمهورية العراقية الأولى. كما يعني تقويض أحد أبرز إنجازات مشروع الدولة الحديثة في العراق، وإعادة إخضاع النساء لسلطات دينية وطائفية متنافسة.
يقف قانون الأحوال الشخصية عند تقاطع بناء الدولة وبناء الأمة في الحقبتين الاستعمارية وما بعد الاستعمارية. إن وجوده كقانون مستقل، منفصل عن إطار المساواة في الحقوق، يتعارض مع الدستور العراقي، ويترك حقوق النساء في حالة من الهشاشة الدائمة، وتحت سيطرة أبوية.
إضفاء الطابع المؤسسي على كراهية النساء
تُخفِّض “المدونة الشرعية” سنّ الزواج إلى حدّ يجيز زواج الأطفال، وهي ظاهرة منتشرة أصلاً في البلاد. كما تُوفّر أسساً قانونية لزواج لا يوفر أية حماية للنساء، وتُقيّد حقوقهن في حضانة أطفالهن وحقوقهن في النفقة. ويُمنح الرجل سلطة مطلقة في شؤون الأسرة، وفي مسائل الطلاق بالإضافة إلى حق تعدد الزوجات؛ بمعنى آخر، ترسّخ هذه المدونة النظام الذي تعيشه النساء في العراق: نظام ذكوري وكاره للنساء.
بعد عقود من الحرب والعسكرة، أصبح العنف لغة الذكورة ولغة القوة في العراق.
بلغ العنف ضد النساء مستويات قياسية، ورغم مناشدة منظمات حقوق النساء على مدار أكثر من عقد لإقرار قانون يُجرّمه، لا تزال النساء محرومات من أية حماية. لا توجد ملاجئ قانونية للنساء في العراق (خارج كردستان)، ولا آلية قانونية لتقديم أي دعم لضحايا العنف. بذلت النخبة السياسية قصارى جهدها لتفكيك ما تبقى من حقوق قانونية ضئيلة ومجزأة للنساء، ومنع إقرار قوانين من شأنها حمايتهن.
تُعدّ معدلات توظيف النساء من المعدلات الأدنى عالمياً، مما يؤثر على استقلاليتهن واستقلالهن الاقتصادي. تتعرض النساء للضغط والسيطرة في جميع مناحي حياتهن تقريباً، بدءاً من الزواج والحمل وحتى حرية التنقل وقواعد الملبس.
في العقود الماضية، أثّرت العقوبات الاقتصادية والحرب والعنف السياسي والعسكرة تأثيراً عميقاً على المجتمع العراقي، تأثيراً طال الجميع. تحملت النساء عبء المعيشة، وتحملن أعباء الرعاية والأعمال المنزلية، واعتنين بالأطفال والمرضى وكبار السن، وساعدن أسرهن على الصمود في ظل الأزمات المستمرة. وبدلاً من أن تُكافأ على حمل عبء أجيال بأكملها، تتعرض النساء للاستغلال وللمعاملة كأطفال.
على مدار هذه العقود من الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ازدهرت الأيديولوجيات المعادية للنساء وترسخت الذكورية من خلال العسكرة وصعود القوى السياسية إلى السلطة، التي تعمل على تسييس قضايا النساء والجندر، وتكرس المعايير والممارسات الأبوية المجحفة.
بتسهيلها سلب حقوقهن القانونية، لا تكتفي النخبة السياسية العراقية بإخبار النساء بأنهن مواطنات من الدرجة الثانية، وأن الرجال يتحكمون بحياتهن وأجسادهن ومساحتهن الخاصة، بل تُرسل إليهن أيضاً إشاراتٍ تُؤكد لهن فيها أنها ستقمع أي محاولة لتغيير هذه السيطرة، وأن النساء اللواتي يحاولن ذلك سيُعاقبن بكل حزمٍ وقوةٍ من خلال القانون.
وتتعرض الناشطات اللواتي يُقدمن الدعم للنساء ضحايا العنف والاتجار، مثل الناشطات في منظمة حرية المرأة في العراق، للاعتداء والتهديد بشكل مستمر. ويتعرض المحامون والمثقفون والمدافعون عن حقوق الإنسان الذين يُعبِّرون عن آرائهم للتهديد والترهيب، ليس بالعنف المباشر فقط، بل بحملات التشهير أيضاً، التي تُشوه سمعتهم وتؤثر على حياتهم الاجتماعية والمهنية والشخصية.
أُلقي القبض على المحامية والناشطة الصريحة زينب جواد، التي كانت ضحية حملة تشويه استخدمت صورها الشخصية، ثم مُنعت من الظهور الإعلامي من قبل الحكومة. هذا مثال واضح على أساليب المؤسسة السياسية العراقية والجماعات المسلحة التابعة لها في قمع المعارضة وحرية التعبير. إن الصراحة وانتقاد النساء للمؤسسة السياسية أمرٌ خطير، كما يُظهر اغتيال ريهام يعقوب. حتى في الموت، تُحرم النساء من العدالة، كما يتضح من جرائم قتل النساء التي تُحرك الرأي العام، مثل قصة بان زياد.
علاوة على ذلك، تستغل هذه النخبة السياسية القانونَ لإضفاء طابع منهجي على قمعها للمعارضة. ففي السنوات القليلة الماضية، أصدرت عدة تشريعات لتجريم المعارضة، واستخدمت نظريات المؤامرة المعادية للغرب، وذعر “الأخلاق الجنسية” لتبرير حملات القمع العنيفة للاحتجاجات والمعارضة، وقد انتهت آخر هذه الحملات بإقرار قانون مناهض لمجتمع الميم، وحظر استخدام كلمة “جندر“.
استعادة الرجولة في العراق والعالم
الطبقة السياسية العراقية متحالفة مع إيران، ويجادل النشطاء والمتظاهرون العراقيون غالباً نتيجة لذلك، فهي تحمل أجندة سياسية إيرانية في العراق. يصوّرون أنفسهم كجزء من “المقاومة”، يحملون الثقافة المحلية الأصيلة، ويحمون الدين، ويصفون المعارضة بالعملاء “الغربيين” و”الصهاينة”.
ومن دون هذا السياق، يجري التعامل مع هذا النظام بوصفه امتداداً محلياً أو “أصيلاً”، في حين أن بنيته السياسية والسلطوية تشكّلت في ظل الاحتلال الأمريكي الذي نصّبته الإدارة الأمريكية عام 2003، وضمن هندسة إقليمية ودولية محددة.
كان للغزو الأمريكي للعراق قواسم مشتركة كثيرة مع فترة تأسيس الدولة الحديثة خلال الحقبة الاستعمارية. فمثل البريطانيين في عشرينيات القرن الماضي، فضّل الأمريكيون نموذجاً مجزأً وطائفياً وقبلياً للمواطنة، وأنشأوا نظاماً سياسياً قائماً على الحصص الطائفية، وهو نظام المحاصصة، وجلبوا إلى السلطة أكثر القوى رجعية.
لقد استغلت القوى السياسية الشيعية الحاكمة وأساءت استخدام سردية “المظلومية الطائفية” -أي سردية الضحية- التي تصور نفسها على أنها مضطهدة من قبل نظام البعث السابق، وبالتالي من قبل “السنة”. ومع ذلك، فإن الجماعات التي تضغط من أجل هذا التعديل منذ عام 2003 ليست الأقلية السياسية التي كانت عليها في ظل الملكية المدعومة من بريطانيا في القرن الماضي، أو في ظل نظام صدام. فهي، منذ عام 2003، في قلب السلطة السياسية، وهيمنتها آخذة في التقلص على المستوى المجتمعي. كما أن استراتيجيتها تُشكل جزءاً أساسياً من التنافس الشيعي-الشيعي على السلطة، حيث تسعى كل جماعة إلى فرض نفسها على الأخرى.
كما ساهمت هذه النخبة السياسية التي جلبتها الإدارة الأمريكية في تفكيك الدولة ومؤسساتها، وكل آليات إعادة توزيع الثروة، وخصخصة كل ما يدعم الحياة الحضرية من الحصول على الكهرباء والمياه إلى الصحة والتعليم.
وقد ترافق هذا التفكيك مع إعادة توزيع غير عادلة للموارد والسلطة، ما عمّق الفوارق الطبقية، وزاد من هشاشة الفئات المهمشة، وفي مقدمتها النساء.
طالبت انتفاضة تشرين 2019 بدولة ديمقراطية ذات سيادة، قوية وفعّالة، تُعامل مواطنيها بالمساواة، وتُعيد توزيع موارد البلاد الغنية على الفقراء والمهمشين، كما أعرب العراقيون عن رفضهم لقانون أحوال شخصية طائفي. علاوة على ذلك، تثير حملة التشهير ضد ناشطات حقوق النساء والمحاميات والمثقفات، والتستر على جرائم قتل النساء، جدلاً واسعاً.
وقد أظهرت هذه الاحتجاجات أن قطاعات واسعة من المجتمع ترفض إعادة تنظيم الحياة السياسية والاجتماعية على أسس طائفية أو أبوية، وتطالب بدولة قائمة على الحقوق لا الهويات المفروضة.
كما كتبت الباحثة النسوية دينيز كانديوتي في سياق ما بعد الانتفاضات في العوالم العربية1 والمنطقة، فإن الهجمات الممنهجة على المتظاهرات والناشطات، وتسييس النقاشات حول قضايا النساء والجندر، علامة على “استعادة الذكورة“، عندما لا يعود “النظام الأبوي المعتاد” في وضع “آمن تماماً”، وعندما يشكك الناس في الأيديولوجيات الأبوية، وعندما تفقد الطبقة الحاكمة شرعيتها، ويُتنازع عليها في الشوارع، فإنها تحاول “استعادة” سلطتها وتأكيدها من خلال قمع النساء والأجساد المؤنثة؛ ويصبح هذا العنف عنفاً على الهيكل السياسي نفسه.
وفي هذا المعنى، لا يُعد استهداف النساء عرضاً جانبياً للأزمة السياسية، بل أحد أدوات إدارتها الأساسية.
هذه الاستراتيجية الوحشية هي نسخة مبرمجة من خطاب ذكوري يميني متطرف تقليدياً، موجود في المنطقة والعالم. ولا يَسَع المرء إلا أن يلاحظ أن صعود الذكورية الفاشية العنصرية البيضاء في الولايات المتحدة ليس سوى “صدمة عكسية” كما وصفها إيمي سيزير، أو “حصاد ما تم زرعه” كما وصفها مالكوم إكس.
فالنظام الذي أُقيم في العراق عام 2003 -القائم على المحسوبية، والعنف، والطائفية، وكراهية النساء- لم يكن استثناءً، بل هو جزء من منطق إمبريالي أوسع عاد ليظهر في قلب الولايات المتحدة نفسها.
لقد أقامت الولايات المتحدة نظاماً طائفياً وحشياً وكارهاً للنساء في العراق، وهو الآن يعود إلى منشأه. يمكن للأمريكيين تعلم الكثير من النسويات والناشطين/ات والمتظاهرين/ات العراقيين/ات حول كيفية مقاومة هذا النظام.
*الترجمة عن الإنجليزية: وسن قاسم.
كُتبت هذه الورقة لمنتدى الفكر التقدمي وتنشر بالشراكة مع موقع جمار.
تندرج هذه المادة ضمن ملف عن المدونة الجعفرية ننشره بعد عام على إقرارها، لفحص الأثر الذي تركته على النساء وحقوقهن في المجتمع، والإرباك الذي أحدثته في القانون والشريعة، وقد نُشر من الملف حتى الآن:
المدونة الجعفرية بين قبضة الفقيه ومحنة العبور إلى المدنية
“لا قانون يحميني”… خوف شخصي وقلق على نساء تهددهن المدونة الجعفرية
“مُرضعات فقط“.. الأم العراقية في مواجهة القوانين والأعراف والأبوّة