في ذكرى رحيل فِرجينيا وولْف، الّتي غادرَتنا قبل خمْسة وثمانين عامًا (28.3.1941- 25.1.1882)، يبزُغ طيْفها مِن قعر نهْر "أُوز" الّذي شَهد حادثة انتحارها، غَرقًا بِجيوب معطف مُترَف حجارةً. وهي الكاتبة المتعدِّدة قيْد حياتها، أشبه بسنديانة الجدَل الأدبيّ المثير، تمرّدًا وتفرُّدًا، اجترحت لِنفْسها لغة إيهاميّة خاصّة، ذات رؤية راسخة في ذاكرة السّرد الكوْنيّ.
لعلّ مغادرَتها المأساويّة، بتدبيرٍ مِنها لنهايةٍ فجائعيّة، اختارتها بعنايةِ التّخييل وجسارَة الشّعريّة، ما أسْبَغ على اسمها، وتجربتها الإبداعيّة عُمقًا ومعنًى إضافيّين، حدّ أنّ معطفها المُهدى إليها مِن زوجها "ليونارد" أمسى هو الآخَر علامةً تُزاحم الصّيت الذّائع لأشهر معطف في تاريخ الأدب، وهو معطف "غوغول".
الشّيء نفسه يمكن أن ينسحب على نهر "أُوز"، الّذي سيمسي ملازِمًا لنجْمة اسمها، وكيفما تكدَّس قعْر هذا النّهر المُريب بأسماء الغرقى، موتى عن اختيارِ انتحارٍ، أو بحسب سيناريوهات حوادث قاتلة، عمْدًا كانت أو غير ذلك، فسيظلُّ غرقُها هي، لافتًا في تاريخ الرّاسبين إلى القعر، والأخْلَد إطلاقًا، إذ بقدر ما مأساويّته أكيدة، كذلك شعريّته بصورة سينمائيّة منقطعة النّظير أدبيًّا.
وأنْ ترسُب غرَقًا عن اختيارٍ في النّهر، أيضًا، هو المعادل الموضوعيّ لأسلوب كتابتها، ونمَط استغوارها لقيعان وظُلمات نفسِها القلقة، عبر تداعٍ حُرٍّ مُمعِنٍ في التّقشير والحَفْر، أو ما اتُّفق على تسميته مِن جهة أخرى، بحسب يافطة نقديّة بتيّار الوعي، إلى جانب صاحب رواية: "أولِيسيس"، جيمس جويْس.
استرجاعًا لصدى أطيافها المتعدّدة، بالاحتكام إلى مُنجزها الشّموليّ الّذي لاقى اهتمامًا واسعًا في العالميْن الغربيّ والعربيّ، فإنّنا نقفُ لنستقرئ رؤيتها المرتبطة بمفهوم الحرب وثيمتها واستكْناه ماهيّتها في كتابيْها "غُرْفَة تَخصّ المرْء وحْده (1929) A Room of One’s Own" و"ثلاثة جُنيْهات (1938) Three Guineas"، مع الإشارة إلى مُراسَلاتها وأعمالها الرّوائيّة، في ضوْء همجيّة الحروب الآنيّة، المتلاحِقة بتطوّر تكنولوجيّ مُتغوّل، يتوسّل بأحدث مبتكَرات الذّكاء الاصطناعيّ، طرقًا جديدة غير مسبوقة في التّدمير، القتل، المحو، الإبادة (غزّة على سبيل المثال، لا الحصر).
سَعت وولْف، منذ بداية أطروحتها، إلى خلق مساحتها الخاصّة كامرأة، مِن أجْل ضمان حيّز آمِن لحرّيّتها الفكريّة والإبداعيّة. هذه المساحة الخاصّة هي "الغرفة" أيقونة أو رمْز خَلاصها زمانًا ومكانًا، وقد انْبرَت وولْف في استكشاف القوى والعوامل الّتي تُعيق المرأة عن التّعبير عن إمكاناتها وطُموحاتها في سبيل أن تَنْجحَ في متابعةِ تعليمِها ودراستها بغية صَقْل شخصيّتها وتشكيل كينونتها، وحصولها على استقلالها المادّيّ بوصْفه قوّة محوريّة. وانهمكت الكاتبة بشجاعة في تشريح مسألة الأمان الاقتصاديّ، إذ تراه ليس غايةً، بل وسيلةً وبدايةَ انطلاقٍ:
"تحتاجُ المرأة إلى المال وإلى غرفة خاصّة بها لو أرادت أن تكتب أدبًا قصصيًّا" (وولْف، 1929)، والكتابة الأدبيّة هنا لا تنفصل عن موقف فكريّ صلْب، بِدعامة نظريّة ذات عُمق إنسانيّ وفلسفيّ في آن. ففي ابتكارها لشخصيّة "جوديث"، الأخت المتخيّلة لويليام شكسبير، تُفصح عن ذلك بوضوح، إذ كيف يُمكِن قمْع عبقريّة المرأة وإبداعيّتها لو وُلدت في ذات زمنه... وهذا القمْع الممنهَج يعني بالضّرورة قمْعَ المادّة، والفكْر، والعاطِفة، والنَّفْسِ. واستندتْ في ذلك إلى ذِكْر نماذج راسخة مِن الظّواهر الأدبيّة، مثْل: "جين أوسْتِن" و"إميلي بْرونْتِي" كصورة مِن صُلب أدلّة كثيرة، على تأثير غياب الحقوق والفُرصِ المتساوية في حياة الكاتبات. وقد بَرَز طرْحها الفِكْريّ الجريء، هذا، بمُجمل أشكاله التّحرّريّة في كتابها العتيد: "غُرْفَة تَخصّ المرْء وحْده"، وأمّا تناولها لمسألة الحرب، فبطريقة غير صريحة، بل بأسلوب إيحائيّ، إيهاميّ، إشاريّ، بدون أن يعني ذلك خوفًا مِن نهْج المباشَرة والمواجَهة بخطاب التّقرير، إذ الأمر يعود إلى طبيعة كتابتها المخاتِلة أوّلًا وأخيرًا، فالاضطراب الجماليّ هو بعض مِن ملامح لُغتها الخاصّة، دونما الاعتناء بصرامة التّرتيب المنطقيّ للزّمن، وحُرّيّة التّأرجح والتّنّقل في حركيّة ذكرياتها هائل جدًّا، مع إعمال التّأمّل المترنّح، دونما انضباط لعلامات التّرقيم، أو احترام قواعد الفواصل.
ومع ذلك، نَصْلُ ملاحظاتِها جارِح دائمًا، بالغ الدّقّة في استغوار طبقات اليوميّ، ورصْد هشاشة الأشياء، بِتوقّد حواسّها في الانتباه للرّوائح، للأصوات، وللألوان، وكلّ هذا تحْفل به إيقاعات كتابتها المتطابقة مع موسيقى عُزلتها، وهي الغارقة كما هو مُلْمَع آنِفًا في نهر/ زمنها النّفسيّ، وهذا ما تكشِف عنه شخصيّاتها المرتبِكة، الغامضة غموض كتابتها ذاتها، على نحو ضبابيّ، مشوّش، لكن بشعريّة دامِغة.
وكتاب "غُرْفَة تَخصّ المرْء وحْده" نُشر عقب الحرب العالميّة الأولى، إذ عاشت في لندن إبّان اشتعال الحرب، وعاشت سِيرة الدّمار، تحت سماء القصْف المُرعب، وانقطاع وَرِيد الإعانات المادّيّة، تغذيةً وتطبيبًا، كان لها الأثر الجارِف إلى ضرورة انعزال كلّيّ، مع رُهاب مُستَعرٍ، وهذا ما يطفو انعكاسه في صدمات، تتماوَج مع مُستجدّات جبهات الحرب إيّاها، فلم تتخاذَل في الجهْر بأشكال العُنف الّتي أحْدَثَها المجتمع الأبويّ العسكريّ في نفْسِها والأخريات، ممّا أشاع الاغترابَ وحَكم على الكلّ بقدَر العزلة، في انفصال سوداويٍّ للعلاقات الاجتماعيّة الآمِنة، والطّبيعيّة بين الأصدقاء، بين النّاس، في مجتمع مضطرب، مأهول بالضّياع والشّتات.
هكذا تلوِّحُ فِرجينيا وولْف بقشّة النّجاة الوحيدة، غرفتها كملاذ مِن الرُّعب المُطبِق، لا رُعب الحرب وحدها، وإنّما رعب الخارج بشكل عامّ.
وفي الحاجة إلى سلام داخليّ، تألّقَ خطابُها الضّمنيّ في الغرفة، بمُعارضة الحرب، وشجْب العُنف، وإدانة وحشيّة الإنسان المسؤول عن مأساة عصرها، فرْدًا وجَماعةً، بسبب اختراع آلة الحرب العمياء.
ضدّ العُنف الاجتماعيّ وسطوته السّياسيّة، انحازت وولْف إلى تجربة الفرْد الدّاخليّة، راسمةً الخرائط الغائرة لآثار الصّدمات الكبرى على الوعي.
طَرحُها هذا سيمثِّل العِماد الأساس الّذي ستطوّره لاحقًا، مُعرِبةً عن موقفها السّياسيّ الواضح المناهِضِ للحرب، مِنْ خلال ربْطها بين قضايا النّساء وقضايا السّلام العالميّ في كتابها التّالي "ثلاثة جُنيْهات"، والّذي أنْجزتْه في حقْبة تاريخيّة سياسيّة أشدّ توتّرًا في أوروبا مع صُعود الفاشيّة والنّازيّة، وعشيّة اندلاع شرارة الحرب العالميّة الثّانية، بغية الإجابة المفصّلة عن السّؤال المباشر الّذي طُرحَ عليها قبل ثلاثِ سنواتٍ مِنْ ردّها عليه: "كيفَ نمْنعُ الحرب؟" وقد جاءت إجابتها متأخّرة بسبب خطورة الموضوع وجدّيّته أوّلًا، ولأسبابٍ شخصيّة وسياسيّة ثانيًا.
والحرب، وفْقَ رؤيتها، ليست ظاهرة عسكريّة لِمعركة بين بلدان ودوَل فحسْب، إنّما هي نتاج بنْية اجتماعيّة وثقافيّة لنظامٍ ذكوريّ قائم على السُّلطة، والصّراع الاقتصاديّ بالأساس، والهيْمنة، والتّفوّق.
هذا النّظام الذّكوريّ السّائد يرزَحُ تحت وطأةِ الثّقافة الغربيّة الّتي صاغَها الرّجال على مرّ صفحات التّاريخ، في حين أنّ النّساء حُرِمْنَ مِن التّعليم الجامعيّ، ومِن تحقيق استقلالهنّ المادّيّ، ومِن المشارَكة الفكريّة... بالتّالي فإنّهنّ لا يَفهمْن طبيعةَ ميْل الرّجال إلى الحرب. ووولْف تنصحهنّ بأنْ يبقيْن بعيدات عن شؤون المعارك، لأنّ الحرب وتبعاتها تشكّل قوّة مدمّرة تهدِّد حياة النّساء وأحلامهنّ وفُرصهنّ المتساوية. والحروب إِذًا لا تدمِّر المجتمعات فحسب، بل تلتهمُ معها الأحبّاء والأهل والأصدقاء.
"الحرب، وفْقَ رؤيتها، ليست ظاهرة عسكريّة لِمعركة بين بلدان ودوَل فحسْب، إنّما هي نتاج بنْية اجتماعيّة وثقافيّة لنظامٍ ذكوريّ قائم على السُّلطة، والصّراع الاقتصاديّ بالأساس، والهيْمنة، والتّفوّق"
وجدير بالالتفات إلى أنّ ثقافة بطريركيّة كهذه بحسب وجهة نظرها، أنتجت بالضّرورة أفكارَ الاستعمار، والصّراعات السّياسيّة، وتأجيج الحروب... بما يعني أنّ هناك علاقة وثيقة بين سطوة الثّقافة الذّكوريّة السّائدة والعُنف بتعدّد أشكاله. وقياسًا إلى ذلك فإنّ الحلّ لِمنْع الحرب، عند وولْف، لا يكون مِن خلال الوسائل السّطحيّة، ككتابة الاحتجاجاتِ، و/ أو إنشاء جمعيّات تُعنى بقضايا السّلام، و/ أو حمْلات سياسيّة... بل يكمُن في إعادة تشكيل نظام المجتمع، فمشاركة النّساء في إنتاج الثّقافة والمعرفة سيسْهِمُ إيجابيًّا في تغيير القِيَم الاجتماعيّة السّارية، وتقليل النّزعة العدوانيّة في المجتمع... وعندها تُصبِحُ قضيّة تحرّر المرأة خطوة بديهيّة، وضِمنيّة، ولا مباشِرة نحو بناء نظام مجتمعيّ جديد، لا يُهيْمن فيه الرّجل على المرأة داخل الأسرة وفي الحيّز الخاصّ، ولا يسيطر فيه الرّجل على المؤسّسات التّعليميّة، ولا يحتكِرُ هو السُّلطة السّياسيّة... وبالنّتيجة يغدو النّظام المنشود المُسيِّر للمجتمع أقلّ ميْلًا لاقتراف جريمة الحرب سواءً أكانت معركة خفيّة أم علنيّة!
في هذا النّظام البديل الّذي تقترحه وولف يقوم نموذج التّعليم على الحوارِ وفهْم الآخَر، وعلى التّفكير النّقديّ البنّاء، وعلى التّعاطف الإنسانيّ. وهكذا يساهم هذا النّموذج التّعليميّ في خلْق ثقافة مضادّة للحرب، مِن شأنها أن تقوّض نزوع النّسق التّعليميّ التّقليديّ الّذي ينادي بالمنافَسة اللّا أخلاقيّة اقتصادًا، والطّاعة العمياء، والقوميّة المتطرّفة، والتّمييز الاجتماعيّ، والانحياز الشّرِه إلى السُّلْطة على حساب القِيمة الإنسانيّة.
ولضمان استقلال النّساء الاقتصاديّ كوسيلة للسّلام ومُجابَهة زحْف الحرب فإنّه لا بدّ لهنّ أن يمارسنَ حقّهنّ في التّعليم، وحرّيّة التّفكير، والخروج إلى العمل في الحيّز العامّ، بغية عدم الاعتماد على موارد الرّجُل المادّيّة كي لا يسقطن في فخّ أن يصِرْن جزءًا مِن النّظام الرّجْعيّ نفسه المنتِج للحرب!
إنّ النّساء، على مرّ الزّمن، كنّ خارج السُّلْطة السّياسيّة، والخِدمة العسكريّة، والمؤسّسات المهنيّة الكبرى، لذلك فإنّهنّ يندرجْن وِفق أيديولوجيّة وولْف ضمْنَ مفْهومِ "الغرباء الاجتماعيّين Outsiders"؛ مِن خلاله سيكون للنّساء دورٌ في انتقاد النّظام المنتِج للحرب، ورفْض قِيَمِه، بل والمساهمة في التّأثير عليه وتغييره، بدلًا مِن الانخراط فيه.
ووفق ما تقدّم، فإنّ منع كابوس الحرب يتطلّب تغيير المنظومة التّربويّة، الثّقافيّة، الاجتماعيّة، الاقتصاديّة، السّياسيّة، القانونيّة كلّها، وليس تغيير السّياسات والدّبلوماسيّة فحسب. وبالاستناد إلى رؤية وولْف الخاصّة فإنّ ذلك سيتمّ عبْر أُسُس المساواة بين الرّجلِ والمرأة، وتحرّر النّساء وتمكينهنّ فِكريًّا، وإصلاح منظومة التّعليم، وضمان الاستقلال الاقتصاديّ، والتّوزيع العادل للموارد المادّية في زمنٍ وحشيّ متأرجِح يثيرُ مخاوِف النّساءِ، ويجعلهنّ يتفكّرن في بدائلَ تُخلّص العصْر الحديث مِن كآبته وسوداويّته!
في المُحصّلة، تصْخب الحرب كانعكاس مُدَوٍّ في "غرفة يعقوب" (1922)، و"أورْلنْدُو" (1928)، كاضطراب عاتٍ نفسيّ، كانشطار داخليّ جارِف، كصدًى لاضطراب هائل جوّانيّ بسبب الصّدمة الكاسِحة.
وفي "السّيّدة دَالُواي" (1925)، يتنامى باطّراد الشّعور المزدوَج لصدمة الحرب، مادّيًّا وعاطفيًّا، وهو ما يُفصح عنه الاغتراب فردًا وجماعةً.
وفي "إلى المَنارة" (1927) يحتدّ الفقدان ممّا يشيع سوداويّة اللّا معنى، إذ أثَر الخسارات التّراجيديّة، وحالات الموت المأساويّة، تُضاعِف مِن حدّة الصّدمات الوجوديّة.
وفي "ثلاثة جُنيْهات" (1938) تكشِف الحجابَ عن الحرب كمؤسّسة اجتماعيّة وليست مجرّد حدَث تاريخيّ.
وفي رسائِلها إلى الشّاعر إليوت وسيّدات نادي بْلومْزْبٍرٍي (1980- 1975) كشَفَت عن طُموحها الإنسانيّ، سعيًا إلى رفض العُنف كحَلٍّ أحاديٍّ لبَشَاعة النِّزاعات، وإشاعة الفهْم والحِوار بين البشر، زِدْ على ذلك قيمة التّعاطف والرّفْع مِن وتيرة الوعي النّفْسيّ، ضدّ تكرار الصّدمات الإنسانيّة، واستفحال كوارث الحرب، في ظِلّ غيابِ وعيٍ أخلاقيّ كونيّ.