جانيت وينترسون: "علاء الدين ومصباحان"
نشر بواسطة: mod1
الأربعاء 18-03-2026
 
   
رضا الظاهر

سوناتا الحب

خيال محلّق إلى عوالم جديدة على أجنحة قديمة

تدعونا الكاتبة البريطانية جانيت وينترسون إلى تغيير حياتنا، وتخيّل العالم من جديد عبر قراءة القصص، في روايتها (علاء الدين ومصباحان)، الصادرة، مؤخرا، عن دار نشر "جوناثان كيب".

ومما له دلالة عميقة، في هذا السياق أن مبدعة رواية (البرتقال ليس الفاكهة الوحيدة)، الصادرة عام 1985، والفائزة بجائزة "ويتبريد"، والحائزة على ثناء نقاد الرواية، تصوغ، في كتابها الجديد، مقولة مذهلة: "أستطيع أن أغير القصة لأنني أنا القصة".

وفي أسلوب أشبه بتيار الوعي يجمع هذا الكتاب بين الخيال والمذكرات والسيرة الذاتية والسرد القصصي الساحر، حيث يعيد تفسير قصة علاء الدين لاستكشاف مواضع الخيال والحقيقة. وتلفت الروائية انتباهنا باستخدامها المبتكر لقصص (ألف ليلة وليلة) في قضايا مثل الذكاء الاصطناعي والحرب والاضطرابات السياسية، مجادلة بأن الخيال أقوى من الحب، وهو أعظم نقاط قوة الإنسان، إذ يمكّننا من تجاوز القيود واستشراف آفاق جديدة، مستخدمة القصص للتساؤل عن الأوهام في عصرنا الحالي. وفي هذه الناحية يعد كتاب وينترسون نوعا من تكريم للتقاليد العريقة في سرد القصص، ودعوة للنظر، عن كثب، في قصصنا الخاصة، وتخيّل العالم من جديد، وتقديم رؤى معاصرة وتساؤلات فلسفية عميقة حول عصرنا.

وجانيت وينترسون، الحائزة على وسام الإمبراطورية البريطانية، هي إحدى أكثر الكاتبات جرأة وإبداعا في عصرنا. ولدت في مدينة مانشستر البريطانية عام 1959. نشرت ورايتها الأولى (البرتقال ليس الفاكهة الوحيدة) وهي في سن الخامسة والعشرين. وبعد أكثر من عقدين عادت إلى ذلك الموضوع في مذكراتها الأكثر مبيعا (لماذا تكون سعيدا بينما يمكنك أن تكون طبيعيا ؟) – 2013. ألّفت وينترسون ثلاث عشرة رواية، ومجموعتين قصصيتين، وكتب أطفال، وكتبا غير روائية، وسيناريوهات. وهي أستاذة الكتابة الإبداعية في جامعة مانشستر.  

تبدأ رواية (علاء الدين ومصباحان) في ماضي وينترسون. نسافر معها إلى طفولتها في رحلة مسرحية نظمتها شركة والدها. لكننا لا نطيل البقاء هناك كما لا نطيل البقاء في أي مكان. تأخذنا وينترسون في رحلة خاطفة، تنتقل بين الأزمنة والأنواع الأدبية والمواضيع بنفس القوة.

وفي قلب الرواية تكمن قصص (ألف ليلة وليلة)، ومن هذا المحور تتفرع استكشافات وينترسون للأدب والفلسفة والعلوم السياسية، كالأوردة النابضة، من داروين إلى بيكيت إلى إيلون ماسك. وكما أن (ألف ليلة وليلة) مؤطرة بقصص شهريار وشهرزاد، المرأة التي كانت تروي القصص للسلطان كل ليلة لتؤجل موتها، كذلك تستخدم وينترسون الليالي العربية كإطار سردي خاص بها. وغالبا ما نجد أنفسنا في خضم قصص (ألف ليلة وليلة) ترويها لنا وينترسون ولكن على لسان شهرزاد، عندما تبدأ إحدى الشخصيات بسرد قصتها الخاصة، قصص داخل قصص، تتكشف بلا نهاية، وتتكاثر في كلا الاتجاهين، ولا يقطع سرد القصص الا شروق الشمس الذي يعلن نهاية كل ليلة. وتتضاعف الليلة الوحيدة التي خصصها لها السلطان إلى ألف ليلة أخرى. هذه قصص عن قصص، يكون فيها الزمن على وشك النفاد، حيث لا مفر من دورته اللانهائية، إذ تعطل شهرزاد الزمن لتنقذ نفسها، وخلافا للتقاليد ليست المرأة هي التي تجري مقاطعتها، وإنما الزمن. الحياة المعاصرة قائمة على المقاطعة المستمرة، والبشر يتأقلمون، وحياة النساء هي، تقليديا، ساحة للمقاطعة.

وطوال هذا العمل ينتقل هذا الاضطراب المفاجىء من منظور المرأة إلى مفهوم الزمن. كل شيء في السرد يعكس شيئا قديما أو جديدا، وكل شيء يدفعنا إلى التأمل، أما اضطراب وينترسون فهو اضطراب النوع الأدبي. إنها تجوب الزمن كما تجوب الأنواع الأدبية بانسيابية لامتناهية. وكما تهرب شهرزاد من براثن الزمن، تهرب وينترسون من قيود النوع الأدبي، وتأخذنا الى مكان أبعد من الخيال أو الواقع. إنها تتنقل بين السيرة الذاتية والعلم والتاريخ وإعادة السرد وشكسبير والذكاء الاصطناعي.

تدعونا وينترسون إلى إعادة قراءة ما نظن أننا نعرفه، وإعادة النظر في كيفية تأثير الخيال في حياتنا، مانحة إيانا الجرأة في تغيير رواياتنا الخاصة، وتعديل النهايات التي نرغب في تغييرها. وبصفتها امرأة شابة من الطبقة العاملة بلا مستقبل واضح سوى العمل في المصانع أو الزواج، أدركت وينترسون، من خلال قوة الكتب، أنها تستطيع أن تقرأ نفسها كخيال، كما تقرأها كحقيقة.

هذه الرواية أعمق من كونها استكشافا لفن السرد. إنها رفض لسطوة الزمن علينا، وسيطرته على أي نظام، إنها سوناتا للخيال الذي يمكن أن يغير حياتنا، ونحن، كفاعلين في الخيال، نستطيع تغيير حياتنا إن استطعنا تخيّلها، "أستطيع تغيير القصة لأنني أنا القصة" .. تعيد وينترسون إحياء قصص (ألف ليلة وليلة) لتظهر كيف أن أسئلتها ماتزال راهنة: هل الحب هو الشيء الأكثر أهمية في الحياة ؟ ما الذي يجعلنا سعداء ؟

أثناء قراءة الكتاب نكتشف، أحيانا، عبارات تلهمنا في حياتنا، يسهل تمييزها وكأنها بريق كامن في الكلمات. ويذكّرنا هذا بما ورد في كتاب هارولد بلوم (ظل صخرة عميقة) – 2011، وهو دراسة أدبية للكتاب المقدس، حيث يقدم بلوم تعريفه الخاص للبركة التي يطلبها أهل العهد القديم من الله، فيسميها "مزيد من الحياة في زمن بلا حدود"، ونجد هذه العبارة، مرة أخرى، في مقدمة جانيت وينترسون لمجموعتها من المقالات الموسومة (12 بايت: كيف سيغير الذكاء الاصطناعي عيشنا وحبنا" – 2021.

وربما كان حفل إطلاق كتاب جانيت وينترسون الحالي أقرب ما وصل إليه كثير من الحاضرين من تجربة روحية. ففي أمسية عاصفة من تشرين الثاني الماضي تجمع ما يقرب من مائة شخص في كنيسة سانت جورج في أدنبره في حدث عفوي رائع. وقد سلطت تلك الأمسية الضوء على الفكرة التي تناولتها وينترسون في روايتها الجديدة: المجتمع الذي يصوره الأدب. كانت الكاتبة هي الشرارة التي أشعلت انتباه الحاضرين الذين أحاطت بهم القصص من كل جانب، من تلك التي تروى لهم في خيالهم، أو التي يبنونها لتؤطر حياتهم. فالانخراط في قصة من أي طرف يعني، من بين أمور أخرى، الانفتاح على المواجهة والتواصل. وحتى عندما يقرأ المرء بمفرده فإنه يشارك في شيء أوسع من ذلك.

كانت الرواية "ساحرة، غير متوقعة، وحادة كالشفرة، فجانيت وينترسون وشهرزاد رفيقتان مثاليتان تأخذاننا إلى عوالم جديدة على أجنحة قديمة" حسب تعبير كاميلا شمسي، مؤلفة رواية (نيران الوطن) – 2017، الحائزة على إشادة النقاد، والتي تعيد تخيّل مسرحية سوفوكليس (أنتيجون).

لعل من بين ما يجتذبنا في رواية وينترسون ذلك التحليل العميق لمسائل فلسفية ملحة في عصرنا المضطرب: من يستطيع الفرار من مصيره ؟ لماذا يدمن البشر (أو الرجال تحديدا) على الحرب والعنف ؟ لماذا يعد الاغتراب داء العصر ؟ بمن يمكننا الوثوق حقا ؟ ولماذا يتمسك الناس بأشياء كرموز للمكانة الاجتماعية ؟

وإذا كان بوسعنا دمج جدالات النسوية والنظام البطرياركي في قصة فتاة ينتظر أن تلقى حتفها على يد شريكها إن لم ترضِه، فان وينترسون تتناول الموضوع من زاوية أشمل. فكما أن إبداع قصص (ألف ليلة وليلة) يجري تقويضه، دائما، بكآبة إطارها السردي، فان حيوية وينترسون اللغوية، هي الأخرى، مرحة وجادة في آن واحد. فهي تتمتع بحدة شخص يلحق بك شرّ هزيمة في الشطرنج، ولكنه يؤكد، في الوقت نفسه، "أنها مجرد لعبة". ونجد، في الرواية، تنديدا حادا بالثقافة المعادية للمرأة، وإدانة شديدة لمعاناة المرأة وعواقبها، مثلما نجد نقدا مريرا لسياسات اليمين المتطرف، التي أصبحت خطيرة، مرة أخرى، ارتباطا بعصر الانترنت المتعاظم.

ولكن إذا كانت وينترسون قد تخلت عن سحر الدين لصالح سحر الحب، فإنها عادت، بعد خذلانها من الاثنين، إلى ما هو حاضر دائما: حب الأدب. وهنا تكمن براعتها، فهي تحتفي بالكتب التي تتجاوز لغتها مجرد المنفعة، وتؤكد أن "الانخراط المستمر والمنتظم في الفكر العميق، واللغة البليغة، والعوالم النابضة بالحياة، يشجعنا على التأمل في ذواتنا لا في العالم الخارجي". وعندما تكتب، بشغف، عن الكتب والقراءة – برونتي، إليوت، إنجيل الملك جيمس، فإنها تصل إلى ذروة إبداعها في مجموعة مقالاتها الموسومة (أشياء فنية) – 1995، حيث وصفت عملها بأنه "سعي حثيث إلى الكمال".

وترى وينترسون بأنه لكي نسخّر قوة الخيال، ولكي نجد أنفسنا في خضم عالم جديد، علينا، أولا، أن نجد أنفسنا في الواقع، بمعنى أن نجد الاستثنائي في العادي. وتجادل وينترسون بأن الخيال يكون في أوج قوته عندما نكون حاضرين تماما في حياتنا، وهو أمر تجعله التكنولوجيا أصعب أكثر فأكثر.

وهناك أمر آخر: اللغة. فهي تمكّن شهرزاد من إنقاذ نفسها، ومن مجابهة السلطان، ومن التحدث من خلال الآخرين، ومن خلال اللغة التي تستمد قوتها وتمسك بزمام الأمور. وحتى عندما يسود العبث نجد اللغة، التي علينا أن لا نخشى من خيانتها، فهي لا تفعل ذلك أبدا، فـ"حتى عندما نعجز عن الكلام، تظل الكلمات موجودة".

توحّد وينترسون بين قوة الخيال، والفن عموما، وقوة الحب. فكما يمكن للخيال أن يأسرنا وينقلنا إلى واقع جديد بتقريبنا من واقعنا، يجبرنا الحب على الانتباه إلى ما يحيط بنا. فنحن مرتبطون بالواقع تحت سلطة الحب الشاملة. ولكن كما يخبرنا أي مجاز في أية قصيدة حب، فإن الخيال يأخذنا، أيضا، إلى عالم من الصور الحية، والتشبيهات الفريدة.

الحب يولد لغة جديدة كما تلهمنا وينترسون: "سواء كنا مستيقظين أو نائمين، فإن حبيبنا هو أرضنا المكتشفة حديثا. كل حفيف وانحناء، وكل منعطف وارتقاء، لا بد من رسم خريطته".. جانيت وينترسون تعزف سوناتا حب للخيال، وتكتب رسالة حب للغة ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الطريق الثقافي – العدد 178 – 18 آذار 2026

 
   
 



 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced