رفعت الجادرجي (1926) اسم مهم وكبير في الساحة الثقافية والفكرية العراقية التي برع في التعبير عنها وعكس مفرداتها ومكوناتها وسماتها الوطنية والمحلية المتميزة والمستنبطة من التراث والتاريخ الزاهر للمكان الذي نشأ وعاش فيه، بل تعدت تلك الثقافة نحو العالمية وهي من سمات ثقافة وفلسفة رفعت الجادرجي المعماري والمفكر والفيلسوف والفنان والكاتب والأديب.
فالحديث عن رفعت الجادرجي كمعمار حداثوي كبير تمسك بتاريخه ومورثه الحضاري الذي انعكس في معظم أعماله الخالدة في العمارة والتي كتب عنها الكثير وتميزت بوصفها معلماً يكاد يكون أيقونة عراقية متميزة لما تحمله من ارتباط عضوي بالبيئة العراقية ومكوناتها الحضارية. لقد اكتسب الجادرجي من خلال الأسرة العريقة التي نشأ فيها وتربى على قيمها البغدادية الأصيلة التي تعد الانتماء إلى الوطن من أهم واجبات المثقف العراقي الأصيل الذي يؤمن بالحرية وحقوق الإنسان واحترام الرأي والرأي الآخر، وهي من سمات المفكر الناجح. فهو ابن شخصية وطنية يشهد لها التاريخ السياسي العراقي المعاصر والذي كان لدوره الوطني البارز الكثير مما تحقق فيما بعد من منجزات ظهرت جلياً على ارض الواقع السياسي بعد ثورة 14 تموز 1958م ويشير (جبرا إبراهيم جبرا) في حديثه عن نصب الحرية للفنان الخالد جواد سليم بان احد التماثيل التي كانت من ضمن ملحمة الحرية التي أطلق عليها اسم (المفكر السجين) هي إشارة إلى اعتقال المفكر السياسي ومؤسس الحزب الوطني الديمقراطي الراحل (كامل الجادرجي) ولد رفعت والذي أطلق سراحه بالفعل صباح يوم الثورة بعد أن بقي نزيل السجن لأشهر كثيرة. وكان رفعت الجادرجي قد صمم شكل اللافتة التي حملت ملحمة الحرية الخالدة.
تقول السيدة بلقيس شرارة زوجة الراحل رفعت الجادرجي ((ان رفعت تعلم منذ الصغر ان للوقت اهمية فلا يضيع وقته بل يستغله، ان كان في اخذ الصور او الرياضة او القراءة، وهذه الظاهرة تعود الى والده الذي كان يهتم بالوقت وأتذكر عندما كان يشاهد شخصا لا يقوم بعمل ما يقول له (لا تصفن) وظلت هذه الظاهرة ملازمة له حتى نهاية حياته)). تفوق رفعت بدراسته وبدأت تصاميمه المعمارية تعرض بشكل ملحوظ وكبير اثناء دراسته الاولية في ممرات الكلية دليلا على تفوقه وامكانيته الكبيرة والواسعة في الفن والعمارة. وكان استاذه في انكلترا (ونستون ووكر) وهو متزوج من شقيقة العالم الاثاري المعروف ( سيتون لويد) يهتم به ومعجب جدا بما كان يقدمه من منجزات مهمة ويتبادل معه الحديث والنقاش والفكاهة والنكته وأيضا يتحدثان عن المسرح والسينما. ومن اللافت الى النظر اختيار احد اعمال رفعت المهمة آنذاك من قبل مدرسة الباوهاوس كأحد العروض الدراسية المهمة اذ التف حوله الطلبة داخل الصف وتأثروا بتلك الدراسة المهمة والتي كانت تهتم بدراسة الباوهاوس وكوربوزيه وهو احد اهم اساتذتها والعمارة الغوطية لما يتمتعان بها من تشابه في مسالة شديدة الاهمية وهي ان الشكل يتطابق مع المتطلبات الاساسية للمنشأ، وهذا التطابق بحسب رأي الجادرجي ليس دائما الالتزام به جوهريا من الموقف تجاه العمارة انذاك.
سأتحدث عن دوره الكبير كفنان وفيلسوف جمالي حداثوي مهم في تصميمه لنصب الجندي المجهول بعد ان طلب منه الزعيم عبد الكريم قاسم شخصيا ولاسيما بعد ان عينه مديرا عاما للإسكان ما بين الاعوام (1958- 1959)، اذ تقول شرارة بأنه صممه بأقل من ساعتين. وانه كان يرغب بذلك منذ فترة سبقت الثورة عام 1958 اذ يذكر الجادرجي بان الحكومة ابان العهد الملكي كانت تريد انشاء نصبين الاول للشاعر امرئ القيس والثاني ضريح لشاعر تركي. وهنا يقول رفعت ((اخذت اتهيأ للاشتراك فيها واعد في ذهني تصورا مناسبا للضريح يكون على شكل طاق كسرى، وأقوم بتجريده وتحويله الى شكل يعتمد اصلا على البناء بالآجر الى شكل يعتمد على الخرسانة المسلحة ووضعت دراسة اولية لمشروع هذا الضريح ثم تأجلت المسابقة، وحدثت الثورة فطويت الفكرة نهائيا)). ثم تم الانشاء فعلا في موقع ساحة الفردوس ببغداد. حتى تم تكليف الفنان خالد الرحال عام 1978 بتصميم نصب جديد للجندي المجهول وتهديم النصب القديم عام 1982. والتقط رفعت الجادرجي صورة توثق تهديم عمله الفني الكبير وبقصدية واضحة.
من آرائه الهمة في جدلية العلاقة ما بين الانتماء والهوية والنتاج الفني الابداعي يقول ((ان الوجود هو عبارة عن تفاعل متداخل بين الوعي والبدن، وبما ان الوعي بالوجود بين الاشياء هو في واقعه تحديد لموقع الذات في هذا الوجود يكون هذا الوعي بمثابة تحديد لهوية الذات بين الأشياء، هذه الهوية التي هي موقع ذاتي وواقعي للبدن، لأنه بزوال الوعي تنتفي الحاجة للبدن، وبزوال البدن يزول الوعي. لذا يقدم الفرد فيستعمل بدنه كاداة لتحديد هوية الذات وعرضها، ويتحقق هذا العرض عن طريق استخدام مصنعات يبتكرها، كالعمارة والأثاث والملابس والحلي، والتجميل ومختلف المصنعات الأخرى، وان العلاقة ما بين شكلية الاثاث كمصنعات من جهة والقاعد من جهة اخرى، وتتأسس بين شكلية الكرسي ومخاضات الفكر، وبذلك يتحدد موقع الذات في هذا القعود. (هذا جزء من تحليله لنماذج الكراسي في دراسته المهمة مقام الجلوس في بيت عارف اغا والواقعة على شارع الرشيد).
من الحقائق الاخرى يذكر الجادرجي ان مفهوم الحديقة لم يظهر إلا مع دخول الانكليز الى العراق بعد الحرب العالمية الاولى وتتضمن الاشجار والأزهار المتنوعة حول فسحة مخضرة من الثيل. بعد التغيير قدم رفعت الجادرجي تصميما للعلم العراقي بعد تكليف مجلس الحكم الانتقالي عام 2003 له بذلك وقد اثار هذا العلم جدلا كبيرا في الاوساط الشعبية العراقية وتم الغائه على الرغم من ملامسته للعديد من المفردات المحلية العراقية والتي استعارها من خلال الالوان. نال رفعت الجادرجي العديد من الجوائز العالمية والعربية التي كانت ثمرة جهود امتدت لعقود ومن أهم الجوائز الثقافية والفكرية العربية التي نالها (جائزة الشيخ زايد للكتاب) كأول عراقي ينال تلك الجائزة المهمة في ميدان التأليف والنشر والتي نالها من بعده من العراقيين الدكتور إياد الحسيني والدكتور عبد الله إبراهيم. من الأقوال المهمة للجادرجي في نظرته لفلسفة الفن والعمارة، إذ يقول ))إن الحوار الفلسفي يفترض بالضرورة، تعريض المسلمات للمسائلة بهدف دحضها، بقدر ما تكون فرضياتها لا تتوافق مع واقعيات الظاهر، أو مع فرضيات المتفلسف الآخر، لذا لا يتمهل الفيلسوف أو يجب أن لا يتردد في أن يقدم على استحداث مسلمات جديدة كلما شعر واقتنع بأن مسلماته قد أدحضت من قبل الآخر، فيعدلها أو يستبدلها أو يلتجئ إلى أخرى لان كل مسلمة منها مصدرها عقل الإنسان، ولذا يجوز له، ولغيره أن يستبدلها)) . للجادرجي مؤلفات عده تميزت بالتجدد الدائم والانتقال النوعي الكبير في فلسفة التحليل والتأويل، ومن كتبه المهمة هي (في سببية وجدلية العمارة)، (مقام الجلوس في بيت عارف آغا)، و(الاخيضر والقصر البلوري)، (حوار في بنيوية الفن والعمارة) وكتب أخرى فضلاً عن كم هائل من المقالات والبحوث والدراسات التي يشهد لها المفكر العراقي والعالمي. توفي الجادرجي فيلسوف الفن والعمارة في بريطانيا عام 2020. وبذلك فقد خسر العراق اولا والعالم رمزا مهما من رموز الفن والعمارة والفكر.