في روايتها الجديدة (زاوية الضوء الساقط) غولوغورسكي تستكشف التراجيديا الأميركية المعاصرة
نشر بواسطة: mod1
الأربعاء 15-04-2026
 
   

في روايتها السادسة (زاوية الضوء الساقط)، الصادرة مؤخرا، تعود الكاتبة الأميركية بيفرلي غولوغورسكي إلى بيئة جميع رواياتها – الطبقة العاملة الأميركية في لونغ آيلاند وبرونكس - حيث عانى الجيلان الأخيران من الأميركيين من عواقب الحروب، من فيتنام إلى العراق وأفغانستان، ومن آثار المخدرات .. أناس طيبون يسعون الى حياة جديدة، وسط عقبات كأداء يبدو التغلب عليها مستحيلا.

تصور الرواية عائلة من الطبقة العاملة تواجه تبعات "الحروب الأبدية" التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر، وتستكشف الشياطين التي يصارعها الناجون من المأساة. وتحاول بطلة الرواية، تيسا، التي لا تجد في الحياة نموذجا يحتذى به، شق طريقها الخاص، محاطة بأمها العاجزة عن التأقلم، وزوج أمها، الطبيب البيطري الذي يعاني من الإكتئاب، وهو جندي سابق، وأختها المدمنة على المخدرات .. أفراد عائلة تعاني من التفكك بفعل المصاعب الاقتصادية والصدمات السايكولوجية.

وتضم الرواية مجموعة من الشخصيات المضطربة، والبريئة في الغالب، يبحث كل منها عن سبيل للخلاص، حيث يخسر البعض معركة الحياة، كما تقول كاتبة الرواية، بينما ينجو آخرون، في ظل اليأس المتفشي في أمة مدمنة على الحروب، وكذلك على التمييز الاجتماعي، حيث نجد في الرواية تصويرا لشخصيات نساء أكثر إقناعا، من خلال تصميمهن على "شق الطريق من العدم"، حسب تعبير غولوغورسكي.

تدور أحداث الرواية حول تيسا وشقيقتها مارلا وأمهما نينا، وهن يواجهن تحديات في عالم يفتقر إلى النماذج الإيجابية. ويستكشف السرد تأثير اضطراب ما بعد الصدمة الناجم عن الحروب. وبينما تسعى تيسا إلى الاستقلال، وتتابع شغفها بالتصوير، تلتقي بجندي سابق أنهكته الحرب، يبلغ من العمر ثمانين عاما، يساعدها، بدوره، على تشكيل حياتها الخاصة، وربما الفريدة.

ولعل من بليغ الدلالة أن نتذكر ما قالته الكاتبة الأميركية إليزابيث ستراوت، الحائزة على جائزة بوليتزر، في مقدمتها لرواية غولوغورسكي الثانية الموسومة (توقفْ هنا) – 2013، التي تتناول، أيضا، شخصيات من الطبقة العاملة، والتي نشرتها دار (سفن ستوريز). تقول ستروات: "تنظر غولوغورسكي مباشرة إلى واقع الطبقات في هذا البلد". وماتزال  (سفن ستوريز) تستخدم هذه الكلمات للترويج لرواية (زاوية الضوء الساقط).

ولا تُعَد (زاوية الضوء الساقط)، حيث تواصل غولوغورسكي سلسلة رواياتها التي تستكشف التراجيديا الأميركية المعاصرة، مجرد عمل أدبي يصور حياة الطبقة العاملة، بل هي رواية مناهضة للحرب، فكل بطل من أبطالها إما جندي سابق شارك في الحرب، أو ينتمي إلى عائلة يكون أحد والديها جنديا سابقا.

وكما تظهر أعمال غولوغورسكي الروائية فثمة أكثر من طريق لسرد قصة جيدة حول الطبقة: من منظور المرأة، ومن منظور الجندي، ومن منظور مدمنة الأفيون، وهو ما يلعب دورا محوريا في أحدث أعمالها، وكذلك من منظور الوحدة والعزلة.

ومع أن العديد من شخصيات (زاوية الضوء الساقط) يعملون في وظائف لا مستقبل لها، وينتمون إلى الطبقة العاملة غير المستقرة، فإن الطبقة ليست المحور الرئيسي الذي تتناوله الكاتبة. فـ"مكان العمل"، كما يسميه الاقتصاديون، ليس هو المكان الأساسي للأحداث. وفي أغلب الأحيان تضع غولوغورسكي شخصياتها في غرف النوم، والحانات، والمطابخ، وعلى شاطيء لونغ آيلاند، حيث ينقسم السكان بين المصطافين والمقيمين الدائمين، وهو تمييز جوهري في الرواية.

إن ما يسبب الألم السايكولوجي والعاطفي لشخصيات الرواية الرئيسية، بما في ذلك ألم الاكتئاب الحاد والوحدة، ليست ظروف العمل، أو الأجور المتدنية، أو الاستغلال، بل أفكارهم وسلوكياتهم المدمرة للذات.

ومن ناحية معينة يمكن اعتبار هذه الرواية تكريما لجين أوستن، الكاتبة الوحيدة المذكورة بالاسم في (زاوية الضوء الساقط) ، والتي رسمت صورة الطبقة العاملة الإنجليزية في روايتي (عقل وعاطفة) و(كبرياء وهوى)، التي تبدأ بعبارة شهيرة: "إنها لحقيقة مسلّم بها أن الرجل الأعزب، الذي يملك ثروة طائلة، لابد أن يرغب في الزواج". وربما تكون هذه العبارة صحيحة في وقتنا الحالي، كما كانت في عام 1813، عندما كانت أوستن في الحادية والعشرين من عمرها.

يسأل غريغ، وهو أحد الشخصيات الثانوية في الرواية، تيسا، الراوية بصيغة المتكلم وبطلة الرواية: "ماذا تقرأين؟"، فتجيب: "جين أوستن"، وتضيف "أوستن تنصح الرجال بعيوبهم بأدب جم، ولا تنطق بكلمة نابية". ولا ينطبق هذا على شخصيات غولوغورسكي التي تستخدم الألفاظ النابية. وتنتقد رواية (زاوية الضوء الساقط) الرجال ليس فقط لسوء أخلاقهم، بل، أيضا، لأشكال صارخة من كراهية النساء.

تنتمي تيسا إلى عائلة محبي جين أوستن، وربما تنتمي غولوغورسكي أيضا. لذلك فان للرواية أكثر من جانب يجعلها راهنة. وشخصيات الرواية، رجالا ونساء، وحيدة ومنعزلة، وتتساءل الراوية بحق: "هل حياتي خالية من البشر إلى هذا الحد؟". والحق إن حياة تيسا غالبا ما تكون خالية من البشر، رغم وجود عائلة وأصدقاء ورفاق، ووحدتها هي الوحدة النابعة من الزحام. والرابط الحيوي في حياتها ليس مع إنسان آخر، بل مع كاميرا تمكّنها من أن تصبح مصورة، وتساعدها على الهروب من ذلك النمط من الحياة الكئيبة والمضطربة والمعزولة، التي دمرت شقيقتها، والتي تهدد بتدميرها هي الأخرى.

وفي هذه الرواية تنتمي الشخصيات إلى عالم مظلم يكافحون فيه للهرب من "فراغ كل شيء" ومن "صحراء الاخفاقات اللعينة". والصحارى الأهم هنا هي صحارى الاخفاقات في الحياة اليومية، لا صحارى العراق الرملية الحارقة، على الرغم من وجود بعض الشخصيات من قدامى المحاربين في الحروب التي خاضها الجيش الأميركي في صحارى الشرق الأوسط، حيث يعاني الجنود من أنواع مختلفة من الإدمان. وفي أجواء الرواية نجد أجنحة المستشفيات الأميركية تمتلىء بـ"الجنود الجرحى"، الذين يتركون ثقوبا عاطفية في قلب نادلة في حانة، أو أم تسعى لحماية بناتها من عالم متوحش، يريد أن يوقعهن في شباكه ويستغلهن.

وفي عيد الميلاد (وهذه رواية تدور أحداثها جزئيا حول عيد الميلاد) يعتقد أحد الشخصيات أنه لو خرج من منزله، فإنه لن يزيد احتفال الآخرين إلا شعوره بالوحدة. ومما له دلالة أن الأغنية الوحيدة التي تغنى في الرواية هي أغنية (أليانور ريغبي) لفرقة البيتلز. ويسمع أحد الشخصيات عبارة "كل الأشخاص الوحيدين" مما يجعله يرغب في التواجد مع الناس، لكنه لا يتواصل مع أي إنسان، ويبقى وحيدا في عزلته داخل غرفته. وتقول غولوغورسكي: "لا شيء يرضيه أو يطفئه، فهو يفضل أن يبقى في عالمه الخاص". وكذلك تفضل تيسا أن تكون في عالمها الخاص، وهي تتجول في مانهاتن وسط الرسوم "العنصرية" والشقق الكئيبة.

وتقترب (زاوية الضوء الساقط) من رواية (كبرياء وهوى) على سبيل المثال، عندما تنشأ علاقة عاطفية بين تيسا وشخص جريح، وهو طبيب شاب من عائلة نيويوركية ثرية، يملك شقة مريحة في مانهاتن، ويبحث، على غرار رجال روايات أوستن، عن زوجة. لكن الزواج منه ليس خيارا متاحا لتيسا المصممة على شق طريقها الخاص في عالم تسوده الهشاشة. إنها تنوي "الاستمتاع بكل شيء قبل أن يزول". وفي نهاية الرواية "تظهر أولى خطوط الشمس في السماء". تتوقف تيسا "لتشاهد الظلام وهو يتلاشى". إنها ليست نهاية سعيدة على طريقة جين أوستن، لكنها النهاية الوحيدة التي تستطيع غولوغورسكي تقديمها بصدق في عالم موحش وخالٍ من البشر.

وكانت رواية بيفرلي غولوغورسكي الأولى (الأشياء التي نفعلها لنعود إلى ديارنا) قد أحرزت جائزة (الكتاب البارز) من صحيفة نيويورك تايمز، وجوائز رفيعة أخرى. وعن روايتها الثانية (توقف هنا) كتبت مجلة (بوبليشر ويكلي) إن "الكاتبة تتعامل مع كل خط سردي على حدة ببصيرة وتعاطف، دون أي أحاسيس مفرطة". أما روايتها الثالثة (هل يمكنك رؤية الريح؟) فقد رأى نقاد أنها "رائعة للغاية ومقنعة تماما". وفي وصفها لرواية غولوغورسكي الرابعة (لكل جسد حكاية) كتبت ستروات: "قد تفطر هذه الرواية قلبك، لكنها ستعيده إلى مكانه بقدرة أكبر على الحب والنبض".

أما في (زاوية الضوء الساقط) فتقدم لنا غولوغورسكي، التي يعتبرها نقاد كثيرون أفضل كاتبة روايات معاصرة تعنى بحياة الطبقة العاملة، رواية واقعية مؤثرة، ذات طابع سياسي. وتضفي الرواية سمات جمالية على صراع البقاء وسط المعاناة من الصدمات السايكولوجية والتدهور الاقتصادي. وتتجلى العناصر الجمالية في منظور مناهضة الحرب، حيث التأثير العميق للحرب وتداعياتها في الحياة اليومية، ومصاعب حياة عائلات المحاربين القدامى ومعاناتهم من الصراع، إذ تركز على الدمار السايكولوجي الناجم عن الصراع السياسي والاجتماعي، وعلى الخيارات الشخصية، حيث تستكشف الرواية التوتر بين البقاء والسعي وراء السعادة الفردية في ظل تدهور المجتمع. ويركز السرد في هذه الرواية على "أبرياء معذبين" يبحثون عن سبيل للخلاص من الآلام، وفرصة لوضع خطواتهم على الطريق الذي يقودهم إلى أمام. ويجسد أسلوب الكاتبة مزيجا من الواقع المروّع والتواصل الإنساني العميق في رواية توصف بأنها تحمل طابع التراجيديا الإغريقية "الحديثة" التي تدور أحداثها في ظل الرأسمالية المعاصرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الطريق الثقافي – العدد 179 – 15 نيسان 2026

 
   
 



 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced