التشكيل العراقي اليوم.. تحولات الهوية وتحديات المستقبل
نشر بواسطة: mod1
الأربعاء 22-04-2026
 
   
علاء المفرجي - المدى

الهوية بوصفها سؤالًا مفتوحًا في التشكيل العراقي المعاصر

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الثقافي العراقي، يبرز الفن التشكيلي بوصفه مرآة حساسة تعكس تعقيدات الهوية وتبدلاتها. بين إرثٍ بصري عريق يمتد من حضارات وادي الرافدين إلى تجارب رواد الحداثة، وأسئلة الحاضر المثقلة بالتحديات، يقف الفنان التشكيلي اليوم أمام مفترق طرق: كيف يحافظ على خصوصيته المحلية دون أن ينفصل عن السياق العالمي؟

لم يعد الحديث عن "الهوية العراقية" في الفن مسألة محسومة، بل أصبح موضوعًا إشكاليًا تتباين حوله الرؤى بين من يرى أنها ما تزال حاضرة في الرموز والأساليب، وبين من يعتقد أنها تذوب تدريجيًا تحت تأثير العولمة وتغير الأذواق. وفي موازاة ذلك، يطرح سؤال آخر نفسه بإلحاح: ما الذي يحتاجه الفن التشكيلي العراقي ليستعيد مكانته عربيًا وعالميًا، بعد سنوات من التراجع والتهميش؟

في هذا الاستطلاع، نستطلع آراء عدد من الفنانين التشكيليين العراقيين، لنقترب من تصوراتهم حول إشكالية الهوية، ورؤيتهم لمستقبل الفن في العراق، بين التحديات الراهنة وآفاق الحضور المنتظر.

الأكاديمي معتز عناد غزوان: الهوية تعني الذاتية، وأحد المبادئ الأساسية في الفكر

اثبتت الدراسات المعاصرة الى وجود تأثير كبير للفن بمختلف صوره الابداعية في الحياة اليومية للفرد والمجتمع، وهذا ما يظهر جلياً في التأثير على الهوية الوطنية وخصوصيتها. فالهوية تعني الذاتية، وأحد المبادئ الأساسية في الفكر، وقد تكون الهوية أيضاً مجموع الخصائص المميزة للأثر الفني، وهي السمة الجوهرية العامة لثقافة من الثقافات، لكن هذه السمة ليست ثابتة أو جاهزة أو نهائية، بل ان مفهوم الهوية من المفاهيم الحديثة التي ترتبط بالوجود والذات والتراث الثقافي مثلما ترتبط بالتعدد والاختلاف والتغيير الاجتماعي في صيغها المختلفة ومستوياتها المعرفية المتنوعة وكذلك في سياقاتها المتعددة التي تنتج وعياً اجتماعياً يثير تساؤلات تقترن بالهوية من حيث دلالاتها وأبعادها ومكوناتها الأساسية وعلاقاتها بما هو ثابت وما هو متغير من عناصرها. وانها الظاهرة المتفردة في تركيبها البيئي المشخص والمتميز والحي في طبيعة تكوينها ومعانيها المتجلية في الفن لتسبغه صفة الإقليمية والتميز والتفرد التي تلاقحت بالخبرة والتجربة والفعل ورد الفعل بالنسبة لطبيعة تكوين المجتمع فضلاً عن ذاتية الفنان وطبيعة تكوينه التي تنعكس بشكل موضوعي بوعي تام أو لا أرداي من خلال اللاوعي المتوارث بطبيعة التكوين الإنساني وفكر المواطنة. وهذا ماجسدته اهم اعمال الرسم العراقي الحديث كنصب الحرية للخالد جواد سليم وملحمة الشهيد للفنان الكبير كاظم حيدر وكثير لا يمكن حصرهم بهذه العجالة. بيد ان تأثيرات العولمة وطغيان التقنية تلاشت الهوية واصبحت عائمة وسط ضجيج الالوان والاشكال.

الناقد التشكيلي: جواد الزيدي: الاعتراف بانصهار الأساليب الحديثة هو أمر لا فرار منه

من الصعوبة الإجابة عن سؤال الهوية في الفن كونه مرتبط بطبيعة التحولات الاجتماعية التي مازالت فتية وغير معبرة عن الذاكرة الجمعية العراقية التي تختلف حول أغلب التفاصيل، ولذلك فأننا نكتفي بما ينعته البعض ب (ظلال الهوية) لانعدام المشتركات التي يجتمع عندها الجميع. وإن هذه الظلال قد تشكلت بداية اللحظة الحداثية العراقية في أربعينات القرن العشرين من خلال الرجوع لرموز ومضامين عراقية قديمة تم تجسيدها في الخطاب التشكيلي العراقي الحديث تتضمن في العودة للمشاهد المصورة على الأختام الأسطوانية وبما تشي به الحضارات العراقية المتعاقبة من رموز اسطورية، أو التمثل اللاحق للبنية الحروفية والمضامين الصوفية وثقافة الشرق التي لجأ اليها الحروفيين وغيرهم. وأعتقد أن هذا كله تمثل في نتاج الجماعات الفنية التي بدأت مع جماعة بغداد للفن الحديث بداية الخمسينات من القرن ذاته واستلهامها التراث البغدادي وتوظيفه على السطح التصويري، بوصفه محركاً أساسياً للعمل الفني، وعبى الرغم من هذا الإنجاز الجماعي والمشتركات، إلا أن الفعل الفرداني كان له حضوره في تشكيل هذه الظلال.

وأرى أن الفن التشكيلي العراقي حجز لنفسه موقعاً مهماً في حركة التشكيل الإقليمي والعالمي أيضاً في فترات سابقة ولحظة راهنة، في ضوء طليعية التجارب الفنية التي حملها الدارسون والمغتربون والباحثون عن المفارق والجديد من أجل الوصول الى المثابات العالية، على الرغم من التهميش والإقصاء الذي مارسته الأنظمة والسياسات على الأغلبية انطلاقا من مرجعيات أيديولوجية بعيدة عن الفن. بيد أن هذا لم يؤثر كثيرا ً على جوهر التجربة التشكيلية وظلت مراوغة لنسق السلطة ومضيئة وولودة أيضاً بفعل التجارب الشبابية المتعاقبة، إلا الاعتراف بانصهار الأساليب الحديثة هو أمر لا فرار منه بفعل البث الفضائي وماقع التواصل، على الرغم من ثبات البعض على الأساليب التي تنتمي الى مشروع الهوية وإمكانية تطويره على الدوام.

الفنان خالد خضير: ما نحتاجه اليوم خلق مؤسسات ثقافية وطنية مستقلة

استعيرت قضية التعبير عن الهوية المحلية في الفن التشكيلي العراقي من خطاب عصر النهضة العربية، وربما لم تكن، في ذهن اهم مؤسسيها الاوائل من القولبة والجمود الذي انتهت اليه، عكس ما كان يفترض ان تكون عليه كسيرورة حية تبدع تشكلاتها وهي تتقدم.. ولكنها انتهت الى رموز شكلية محنطة تنحصر في اشكال: النخلة، والأهوار، ووجوه التماثيل، والحروفيات العربية، وجملة الاستدعاءات الفولكلورية. يواجه الفنان العراقي العالم اليوم وهو شبه أعزل الا من الرموز الشكلية المستهلكة: بلا سوق محلي حقيقي، بلا قاعات عرض مدعومة، بلا نقابة فاعلة تسوّق له، وبلا أرشيف رقمي يحفظ منجزه. المشهد التشكيلي العربي تجاوزنا لأنه استثمر في البنية التحتية للفن قبل الفن نفسه. فما نحتاجه اليوم لاستعادة المكانة الماضية للفن العراقي خلق مؤسسات ثقافية وطنية مستقلة ممولة من المال العام، ومنها ما يعنى بالفنون البصرية التي يقع ضمن مهمتها التسويق الخارجي، وإقامة بيناليات الفن وفق معايير دولية، ودعم مشاركات الفنانين في المحافل الكبرى. ورقمنة الإرث التشكيلي العراقي عبر مواقع مستقلة وممولة من المال العام، ومتاحف، ومتاحف افتراضية تضم ارث اهم الفنانين العراقيين منذ الرواد ويتوفر على ترجمة ويكون متاحاً للباحثين والقيّمين العالميين. انهاء عزلة الفنانين عبر إقامات فعاليات فنية متبادلة، وورش مع قيمين أجانب، وربط الأكاديميات العراقية بمناهج الفن المعاصر لا الاكتفاء بالكلاسيك بعد شطرها الى اكاديميات فنون تعنى بتخريج فنانين وكليات فنون تعنى بتخريج فنانين، ولا نهوض فعلي دون مجلات متخصصة، واصدار سلاسل كتب نقد تشكيلي، وجامعي أعمال عراقيين يخلقون حراكاً اقتصادياً حول اللوحة. لا يمكن ان نذوب الهوية من خلال امتلاك الجرأة على إعادة تعريفها، وصناعة نظام بيئي متكامل للفن العراقي أنجب الحداثة العربية مرة وهو قادر على انتاجها ثانية.

الفنان كريم سعدون: لاشك أن العالم تغير بشكل سريع جدا وخضعنا نحن لتأثيرات شتى

الحديث عن الهوية في الفن محفوف بالكثير من الاعتبارات التي لايمكن القفز عليها، ومن الضرورة أولا: التمييز بين الهوية العامة الجامعة، والهوية الخاصة في الفن، ذلك كون الأخير يخضع لاعتبارات الريادة والتأسيس، وأعني في ذلك أن الفن كمفهوم-مما لاشك فيه- هو حديث نسبيا، كما أن متبنياته الفكرية قد نمت وترسخت في منطقة معينة نجحت في صناعة المركز وتدعيمه، فأصبح من الصعب الحديث عن هوية للفن في جغرافية ما، دون تحكيم الآليات التي ثبتها ذلك المركز، فالدراسات الفلسفية ومناهج النقد المنبثقة عنها والكتابات النقدية هي ذاتها أدواتنا في المقاربات النقدية لمنجزنا الفني، فضلا عن التحرك تحت سقف المرجعية الواحدة - وإن ثمة اختلاف طفيف هنا وهناك. كذلك الاتجاهات الفنية التي يتم إنجاز الفن في ظلها وما صُنف سابقا على اعتباره هوية فنية تبدَلَ وتغيّر لأنه لم يستطع تجاوز التصنيف المدرسي للمرجع. إن رسم مميزات خاصة وجعلها سمات لمنجزنا الفني لايتعدى المفهوم السياسي والاجتماعي ويبقى أسيرا في حدود منطقته ولايتيح لنا عقد المقارنات أو التقيِّمات مع تجارب خارجها.

لا شك أن العالم تغير بشكل سريع جدا وخضعنا نحن وفقاً لذلك لتأثيرات شتى من ثقافة العولمة التي تحاول إزاحة ما يعترضها إلى التطورات التكنولوجية المذهلة التي اتاحت للصورة أن تهيمن على المشهد التواصلي وأن تصنع لهذا الحضور عالمه الافتراضي الخاص وقوانينه المؤثرة. ولاشك في أن وسائط التواصل الحديثة أصبحت مزاحمة لصالات العرض والمتاحف، حيث الغالبية من الناس ممن يتابعها متساوون في الحصول على العروض ذاتها الأمر الذي ساهم بفرز قيماً جديدة للمشاهدة، ووفر طرقاً جديدةً لرؤيةِ الفن، مما خلق عادات تلقِ جديدة ساهمت في خلق الذائقة المرتبطة بشاشات العرض، فأصبحنا كمتلقين نخضع بنسب متفاوتة لبثها سواء الصوري أو الكتابي وبالمناسبة، فأن تلك المنابر الافتراضية ولاعتبارات ما توفره من حرية واسعة في النشر أصبح تدخلها في صناعة الرأي النقدي واقعا، إذ لاوجود لموانع في النشر، وباعتقادي إن هذا الأمر يعمل على إزاحة النقد الحقيقي بعيدا ويخلق أجيالا تعتمد السرعة والسهولة في إبداء الرأي في ما يعرض وتوجه الرأي، مما يصنع ثقافة بصرية جديدة لا تستجيب لطروحات الهوية والخصوصية. إن ما تقدَّم يمنحنا فرصة لمراجعة آرائنا بخصوص الهوية الفنية لانه مفهوم إشكالي والتركيز عليه دعوة إلى الانغلاق في حدود محلية ضيقة تتناسى أننا جزءاًمن عالم واسع صاخب ولا يهدأ حراكه.

إن السبيل إلى عودة الفن العراقي لمكانته السابقة الريادية المتميزة لا يكون إلا في تغليب الرؤية المعرفية الواضحة ودعمها بثقافة بصرية ترصد التغيرات الجديدة في الفن في العالم المعاصر، حينئذ يكون الفنان مبتكرا دونما الركون لاعتبارات المهارة الفنية فقط وكذلك دون تواطئات تعيد الحكاية إلى جذرها.

الفنان ستار كاووش: الفنانون بشكل عام ينشغلون بنوعية أعمالهم وتفردها وأصالة معالجاتهم

المواهب والإمكانات الفنية العالية للمبدعين لا تلعب وحدها الدور الحاسم في صناعة مكانة فنية كبيرة في أي بلد. فالكثير من الفنانين يَسْعَونَ اليوم من خلال أبحاثهم الخاصة لتحقيق مكانتهم الفنية وليس ما تتطلبه مكانة الفن في البلدان التي ينتمون لها، وهذا ليس عيباً وفيه الكثير من الصحة، لأن الفن في محصلته خلاص فردي، وربما علينا أن نجرؤ القول بأن الهوية الوحيدة للفن هي أن يكون الفن جيداً. الفنانون بشكل عام ينشغلون غالباً بنوعية أعمالهم وتفردها وأصالة معالجاتهم وحلولهم التشكيلية، وهذا ما يمنح أعمالهم أهمية بغض النظر عن البلد الذي ينجزون فيه أعمالهم. كان الفن في العالم أكثر وضوحاً في السابق من ناحية الهوية والمشتركات التي تجمع فناني المنطقة الواحدة، لكن أخذ الأمر بالتغير مع مرور الوقت لأن الكثير من الفنانين يعرضون أعمالهم في بلدان مختلفة ومتباعدة. عموماً، ربما من الأفضل أن تهتم الناس والبلدان بالثقافة الفنية أكثر من إهتمامهم بأمر الهوية، كي يستجيب الناس ويتفاعلون مع الفن بشكل صحيح، وهذا برأيي هو المهم في كل الموضوع. فالفن لا يعني إنتاج لوحات ومنحوتات فقط، بل هو عبارة عن نوافذ عديدة مفتوحة، قاعات عرض متعددة تتوزع في المدن المختلفة للبلد، متاحف تُرينا الجمال وتعرفنا معنى الفن، كتب فنية تملأ المكتبات، إقامة معارض كبيرة ومهرجانات، سفر ومشاهدة متاحف عالمية حسب المستطاع، وجود أكاديميات للفنون تقدم لنا أجيالا من الفنانين اللامعين وليس شهادات عليا يحصل عليها حامليها فقط لأنها توفر لهم راتباً أعلى. فعندما يفوق عدد الحاصلين على الدكتوراه في الفن عدد الفنانين أنفسهم فهذا لا يعني أن الفن بخير، وعلينا عندها البحث عن الفن ذاته لا عن الهوية. في النهاية يمكن حل كل هذا بكلمة واحدة، هي الفن الجيد والثقافة الجيدة، علينا أن نجد المواهب الجيدة المتفردة مثلما نجد من يتعرف على إبداع هذه المواهب بشكل صحيح وينسجم مع ما تقدمه بطريقة مناسبة. عندها نكون قد وضعنا أيدينا على نوعية وأهمية الفن، ولا تهم الهوية، بل لا يهم أي شيء آخر.

الفنان د. شوقي الموسوي: التشكيل العراقي له حضور ومكانة متميزة على المستوى الإقليمي

فعلاً هنالك إشكالية في الهوية بحدود طروحات ما بعد الحداثة، أعتقد بأن مفهوم الهوية لم يعد شكلاً مرئياً مجسداً، بل نجدهُ قد أصبح تجربة مفاهيمية تحتفي بالفهم على حساب التعبير، لأننا أمام مفهوم غير قابل أن يكون في قالب بصري ثابت في عالمنا المتغير والمتحوّل، الذي يهتم بصناعة الأسئلة ولا يهتم بالإجابة، فقد قوضت ما بعد الحداثة فكرة الهوية الواحدة واستبدلتها بالتعددية الطبقية، أي أصبحت هوية هجينة اعتنقت التشظي والتفكيك في إعادة التركيب، وبالتالي أستطيع القول من منظور ما بعد حداثي بأن الهوية العراقية في الفن التشكيلي لا يمكن أن ننظر لها بوصفها شكلاً ثابتاً، بل خطاباً فكرياً متحولاً ومتغيراً يتشكل من خلال التعدد و التسارد والتفكك، فيسهم في عدم مطالبة الفنان التشكيلي العراقي أو العربي بتمثيل الهوية بمرايا الماضي، فتتحول الهوية من تشكيل صوري بصري إلى ترميز أو تشفير ذهني مفاهيمي منتج للمعاني وصانع للأسئلة لحظة فعل التلقي بين المشاهد والعمل الفني، فتصبح الهوية من وجهة نظري أثراً وسؤالاً، وليس ما يؤثث أو يمثل الواقع البصري الذي يحتفي بالإجابات. فالهوية لا يتم استعارتها أو استعادتها من الماضي، بل يتم إعادة فهمها وتفكيكها بلغة معاصرة ومن ثم إعادة تركيبها وبنائها داخل بنية المشهد البصري.

بصراحة أنا أجد أن التشكيل العراقي له حضور ومكانة متميزة على المستوى الإقليمي، لأننا شهدنا تجارب تشكيلية عراقية عديدة متميزة ما بعد الحرب، احتفت بجماليات التجنيس والاختلاف والتصميم والتحديث التي أعادت بناء المنظومة التشكيلية بالكامل على المستوى المحلي والعربي وحتى الدولي، فالمشكلة اليوم ليست في منجزات الفنان العراقي المبدع، بل في أغلب المؤسسات الفنية والأكاديمية الداعمة والمسؤولة عن انتشار الإبداع العراقي، على سبيل المثال عدم وجود قاعات عرض تشكيلية احترافية بمعايير عالمية، فأغلبها أُسست بجهود شخصية، بالإضافة إلى غياب منظومة النقد التشكيلي الأكاديمي الذي كان حاضراً في الماضي ومسؤولاً عن التقييم والتقويم، فضلاً عن غياب البرامج الثقافية في شبكات الإعلام ذات الجنبة التشكيلية، وغياب الدعم الحكومي وانعدامه، والذي كان من المفترض أن يكون مسؤولاً عن إقامة المعارض والبينالات الدولية داخل وخارج العراق، بمعنى المشكلة في غياب الفن ليست في الفنان التشكيلي، بل في غياب المنظومة المؤسساتية الفنية بكل مفاصلها التي تُسهم في تصدير التشكيل إلى العالم، سبيلنا الوحيد يجب أن يمر عبر وجود منظومة مؤسساتية حكومية داعمة، ووعي احترافي في العرض الفني والتسويق، ونقد فني أكاديمي فاعل في تقويم فضاءات التشكيل.

الناقد صلاح عباس: انشغل الفنانون العراقيون، بموضوع تأصيل الفن العراقي، واكسابه الهوية الوطنية

منذ مطلع العقد الخامس من القرن الماضي، انشغل لفيف من الفنانين التشكيليين العراقيين، بموضوع تأصيل الفن العراقي، واكسابه الهوية الوطنية من خلال العودة للمصادر الاساسية في الموروث الوطني بامتداداته التاريخية العريقة وبحلقاته التاريخية المتنوعة التي تشمل التاريخ الرافديني والتاريخ العربي والاسلامي، وكانت جهود الفنانين الاوائل تتمحور في ممكنات تضمين خصائص الحياة اليومية مع الانتباه لسبل الاداء الفني والتقني المؤاصر بين الوحدات الصورية وترسيم بعض الملامح المستلة من المأثور الشعبي ومشاركة ذلك في بناء عمل فني رصين يحفظ للذاكرة العراقية بعض ملامحها، وهكذا دأب جيل جواد سليم وفائق حسن وشاكر حسن، وسواهم على وضع أسس منطقية لتأسيس مدرسة فنية بغدادية بامتياز، بيد ان الانتكاسات السياسية التي مرت بها البلاد، منذ انهيار الجمهورية الاولى، صعودا لحقبتنا الراهنة، وما تخللها من احباطات بأسباب السياسات الديكتاتورية والقمعية التي ادت الى الحروب وانغلاق البلاد وانهيار القيم المجتمعية وضحالة الافكار المتداولة، كل ذلك أثر سلبيا على واقع الحياة الثقافية والادبية والفنية في العراق، ومع كل مجريات الامور السلبية، ومنزلقات الحياة اليومية، الا اننا نتابع بعيون مترصدة للواقع الفني في داخل العراق وخارجه، فنجد بين الركام نوعا فنيا مختلفا ومميزا، لما يتسم فيه من المؤهلات المتقدمة وما يتجمل به من خصائص فريدة تعيد للأذهان مجد الفنون التشكيلية في حقبها الذهبية، والفنون التشكيلية في العراق، شأنها شأن الاتجاهات الابداعية الاخرى في مجالات مختلف تفريعات الفنون الجميلة ومختلف أفرع الآداب والثقافات، فهي تمثل ضربا من التحدي الابداعي والجمالي، واللافت للانتباه ان اغلب العاملين في هذه الحقول الفنية لا يعملون وفق الاملاءات ولا وفق قوانين العرض والطلب، بل يسعون جاهدين من اجل صوغ افكارهم ورؤاهم بمنأى عن الوصايا، وهم بذلك يعملون على اعادة صناعة تاريخ الفن التشكيلي العراقي المعاصر، وذلك من خلال الانجاز الفني النوعي المثير للإعجاب، ولدينا قائمة طويلة من الاسماء من داخل وخارج العراق، وكل ذلك من اجل ترصين الفنون والاعلان عن المهارات الادائية البارعة، واعادة هيبة الفنون التشكيلية وتأمين سبل الارتقاء بها من خلال التأكيد على الانتساب المحلي الذي لابد منه لتأكيد البصمة المتفردة واكتساب الخصوصية الوطنية.

طالب جبار: الحديث عن الفن التشكيلي العراقي يأخذ مساحة كبيرة حيث تنوع الاساليب

على الرغم من الضغط الهائل الذي يحققه غزو الحداثة وما بعدها على البنية الثقافية بتنوعها سيبقى الحديث عن الهوية العراقية في الفن امر سيكولوجيا لان البنية النفسية ستكون على الدوام فاعلة في كل انواعها اما الحديث عن الفن التشكيلي العراقي ياخذ مساحة كبيرة حيث تنوع الاساليب... الفضاء الثقافي منذ الفنانين الرواد وعلى راسهم الكبير جواد سليم وفائق حسن لكن تبقى السيرورة اللاشعورية والتجارب الحياتية ذات هيبة وضغط عال واجباري على مستوى البث لان الرموز في التشكيل العراقي فاعلة جدا على الرغم من تشظي المراكز في اللوحة لكن تبقى الرموز تتسلل الى العمل الفني لتعطي انطباعا ايضا لهذا ستتصل لحظة التلقي بالرموز التي تنهض من سطوح الحداثة وما بعدها فالهوية قائمة والا يمكن ازاحتها عن المشهد لأنها تشكل القيمة الفنية الاكثر شيوعا والاكثر تصعيدا والاكثر لذة لحظة التلقي.. لكن علينا الحذر من الذوبان المطلق فيما بعد الحداثة لحظة تعاطي خطوطها وهي تغزو الأوساط الثقافية برمتها ويشكل الذهاب الى عمق هذه التجربة وتعاطيها نشازا واضحا يخترق المعنى ويعطل، الاصغاء وتصفح التجربة الجمالية المحلية المكتنزة بالعلامات والرموز التي تجعلها حيه ومتدفقة.

 
   
 



 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced