مذاق القبح والجمال في كعكة الرئيس
نشر بواسطة: mod1
السبت 02-05-2026
 
   
جمال هاشم*-المدى

- 1 -

شاهدتُ مؤخرًا الفيلم العراقي "The President’s Cake" أو "مملكة القصب"، من كتابة وإخراج المخرج العراقي حسن هادي، وهو أول أفلامه الدرامية الطويلة. عُرض الفيلم لأول مرة عالميًا في مهرجان كان السينمائي 2025، حيث فاز بجائزة الجمهور وجائزة الكاميرا الذهبية. واختير الفيلم لتمثيل العراق في جائزة الأوسكار في دورتها الثامنة والتسعين (2026)، ووصل إلى القائمة المختصرة لأفضل فيلم دولي.

فيلمٌ عربيٌّ آخر يُضاف إلى نخبة من الأفلام الرائعة التي أنتجتها السينما العربية مؤخرًا، والتي فرضت نفسها وبقوة في عالم السينما، وزاحمت الكثير من الأفلام العالمية في نيل التقدير المستحق من النقاد، واقتناص الكثير من الجوائز بجدارة من مختلف المهرجانات الدولية. فكعكة الرئيس، إلى جانب أفلام كـ"صوت هند رجب" و"فلسطين 36"، لم تُعِد لنا وللسينما العربية الاعتبار فقط، وإنما أيضًا ترقى لأن تكون إضافات فنية متميزة ومهمة للسينما العالمية، تعيد لنا الأمل بعودة السينما الراقية الجادة، والأعمال الحقيقية والعميقة التي تخاطب وتستفز العقل والروح والخيال، في مقابل الغثّ التجاري الهابط الذي يملأ الشاشات.

فيلم كعكة الرئيس يكاد أن يكون وصفة سينمائية شهية تمتزج فيها مكوناتها من الدراما الاجتماعية الواقعية والفانتازيا والخيال، بمسحة من الكوميديا الساخرة التي يوظفها المخرج لإنجاز عمل إبداعي يحمل الشيء ونقيضه؛ يحمل بداخله الكثير من الجمال والحب والأمل، ولكنه أيضًا يحمل القبح والعنف والقسوة والمرارة والإحباط. عمل لا يكتفي بتسليط الضوء على فترة معينة من تاريخ العراق، بل يتعداه ليكون رؤية نقدية وحكاية إنسانية مثالية بامتياز، يتناول فيها فكرة القهر والألم والمعاناة في ظل حكم الأنظمة الشمولية وانعدام العدالة والقانون الدولي بشكل عام.

تدور أحداث فيلم "كعكة الرئيس" في العراق خلال تسعينيات القرن الماضي، ويركز على فتاة تبلغ من العمر تسع سنوات تُدعى لميعة (تقوم بدورها الطفلة بانين أحمد نايف)، تعيش مع جدتها بيبي (وحيدة ثابت خريبات) في إحدى المنازل المتواضعة المصنوعة من القصب، في وسط المستنقعات المائية في أهوار العراق. رغم الفقر وشحّة الموارد والحياة المزرية المحفورة على وجه الجدة بيبي، كمثال للإنسان الذي يحمل عذاباته ويحيا في هذه البقعة من العراق، إلا أن المخرج اختار، في هذا الجزء الأول من الفيلم، أن يصور أجمل مشاهد الفيلم وأكثرها شفافية للطبيعة الساحرة، وحالة بصرية ساحرة لانعكاسات الظل والضوء على تلك المسطحات المائية التي تلامس الأفق، وتحتضن أشجار القصب الكثيفة، وتنبض بالحياة مع كل موجة ترسلها زوارق الصيد. لوحات تشكيلية رائعة ممزوجة بموسيقى معبّرة تفتح جراحًا بسعة الرافدين، تسيل منها مياه الأهوار وآلامه، مستلهمة التراث العراقي الأصيل وحضاراته الآشورية والسومرية القديمة.

تبدأ القصة عندما يقع الاختيار على لميعة في المدرسة لإعداد كعكة خاصة بمناسبة عيد ميلاد الرئيس صدام حسين، والذي يُعد الاحتفال به إلزاميًا. يبدو أن دعوات لميعة وصلواتها للرب، لئلا يقع عليها الاختيار، لم تصل، لينزل هذا التكليف عليها وعلى جدتها كالصاعقة، في ظل حالة الفقر والعوز المتفشي، فتصبح مهمة بسيطة وممتعة لخبز كعكة من المهمات الصعبة والمعقدة، مع ندرة الدقيق والسكر والبيض، بل وحتى الماء، بسبب العقوبات الدولية على العراق وشعبه.

تسافر الجدة، ومعها لميعة، إلى مدينة بغداد من أجل شراء المواد المطلوبة للكعكة. طريق ينقلنا عبره الفيلم من شفافية وليونة ورأفة الصورة في الأهوار إلى خشونة وقسوة وعنف المدينة، لتبدأ رحلة طويلة شاقة ومضنية للميعة البريئة ذات التسعة أعوام، تواجه فيه القبح في شتى صوره وأشكاله من غلاء وفساد ونصب واستغلال، ألا وكأن نظام الدولة والقانون الدولي، ومن فوقهم الرب، يضعون هذه البراءة أمام اختبار فاقد للتوازن وغير عادل، تنتفي فيه أدنى مقومات الأخلاق والقيم الإنسانية، التي تتهاوى تحت وطأة صراع طاحن من أجل البقاء.

تبدأ الرحلة عندما تنفصل الطفلة عن جدتها، التي أرادت نقل حضانتها إلى عائلة عراقية من سكنة بغداد أكثر اقتدارًا على رعايتها وتوفير حياة لائقة نسبيًا عجزت عنها الجدة في هذه السن المتقدمة. ترفض لميعة هذا الموضوع، مما يضطرها إلى الهرب من جدتها لمواجهة المجهول في شوارع مدينة تبتلع أقوى المخلوقات وأعتاها، فما بالك بطفلة تلمع ببراءتها كلميعة، التي تبدأ سنينها الأولى بهذا الامتحان الوجودي: أن تكون أو لا تكون، حيث إن الفشل في هذه المهمة، التي قد تبدو بسيطة وتافهة، له تبعات وخيمة من محاسبة ومساءلة وشديد العقاب. ولذلك، فإن إطلالة الرئيس صدام حسين عبر صوره المنتشرة في أركان وشوارع بغداد، والتي يتكرر ظهورها في الكثير من كوادر الفيلم ومشاهده، قد تكون رمزية لصرامة الرقابة على السلوك والانضباط العام، ومدى جدية الالتزام بالقوانين والأوامر الصادرة من الدولة، مما يضاعف من الضغط النفسي ومن حالة الخوف والرعب التي تعيشها لميعة أثناء تأديتها للمهمة.

يخصص الفيلم مساحة واسعة للعلاقة بين لميعة وصديقها وزميل دراستها الشقي المشاكس المحب والخلوق "سعيد" (يقوم بدوره الطفل سجاد محمد قاسم)، والذي تلتقي به مصادفةً في بغداد، حيث هو الآخر يخوض امتحانه الخاص به بتوفير الفاكهة المكلّف بإحضارها من قبل نفس المدرسة ولنفس المناسبة أيضًا، لتبدأ مهمتهما المستحيلة ومخاضهما العسير معًا. تلك العلاقة البريئة والعميقة بين الطفلين، والتي من وجهة نظري لا تشكل العمود الفقري للفيلم فحسب، وإنما أيضًا أجمل محاوره وأكثرها إثارةً وإبداعًا. فرغم التناقض الحاد واختلاف شخصيتيهما الشاسع، فهي الملتزمة المحافظة المتوترة والقلقة، وهو الحر الفَرِح المشاكس والمتمرد، إلا أن هناك أيضًا الكثير مما يوحّدهما كالبراءة والصدق والمحبة، وربما أيضًا شراكتهما في حياة الفقر والظلم والقهر والمعاناة. هذان الطفلان الجميلان على المستويين الحسي والروحي، أدّيا دوريهما بشكل تلقائي بارع، وحملا على عاتقيهما إيصال رسائل ورؤى المخرج الكثيرة التي أراد إيصالها لنا نحن المشاهدين.

فرغم صغر سنهما وبراءتهما الشفافة والمفرطة، والتي توحي بالهشاشة أمام عنف وقسوة المجتمع حولهما، والذي يعاني بشكل عام من الفقر والفساد والانهيار الأخلاقي على أكثر من صعيد، إلا أنهما أيضًا لعبا دور الطفولة المقاومة الصلبة والعنيدة، التي تقاتل بشتى السبل والوسائل من أجل البقاء والتطلع لمستقبل أكثر جمالًا وإشراقًا. فعلاقتهما، بل دعونا نقول، مشوار حياتيهما ورحلتهما الشاقة في البحث عن أكثر الأشياء حلاوةً عند أي طفل، ألا وهو الكعكة (يقول الطفل سعيد في أحد مشاهد الفيلم: ليتني كنت رئيسًا للبلاد حتى آكل كل كعكات العالم)، علاقة لم تخلُ من رومانسيتها التي تتجاوز حدود الطفولة إلى شيء أكبر، وإلى شكل من أشكال الحب البريء والخالص، خصوصًا عندما يتكرر اتصالهما عن طريق العيون وما وراء العيون، ويمارسان تحدي النظر (لعبة من يُغلق عينيه ومن يرفّ طرفه أولًا). هو أشبه بالطقس الروحاني الذي يلجآن إليه بحثًا عن السكينة، أو الغوص عبره إلى الجمال والنقاء الداخلي لمقاومة محطات فشلهما وانكسارهما، وليعيدا به توازن العالم وتواصلهما الروحي والنفسي، ليغدو سلاحهما وملاذهما الآمن الوحيد الذي يقوى على حمايتهما وعزلهما عما حولهما من قبح وعنف وتوحش.

كأن أقصر الطرق للقلب هي العيون؛ تحدٍّ لا يهم من منهما فاز فيه، ما دام الاثنان فازا بقلب وحب المشاهد. هي علاقة رومانسية طفولية بريئة، ولكنها في الوقت نفسه تكاد توازي علاقات الكبار بما تحتويه من أقصى درجات الولع والحب والرومانسية (مشهد سعيد وهو متيم بانعكاس لميعة في المرآة مع المغنية في المقهى)، إلى أقصى درجات الصدّ والزعل والاختلاف (مشهد رمي سعيد لقنينة الكوكاكولا من أعلى سطح المبنى وهو في حالة الإحباط والغضب)، ومن ثم الاشتياق والحب من جديد، في دورة عشق فلكية ليس لها نهاية ولا أفق.

* كاتب من البحرين

 
   
 



 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced