تتخذ "دُر" من سطح منزلها ميداناً. تقف قبالة الهدف، توازن توقيت إطلاق "الصجمة" بين نبضتين من نبضات قلبها.
دخلت دُر، ابنتي البكر، هذا العالم عن طريق الصدفة، وكما هي حال معظم حكايات العراقيين، جاءت بلا تخطيط مسبق، لكنها، على ما يبدو، كانت صدفة حسنة، ستقود إلى صدف أخرى عديدة تخص در وحياتها ومرافقتي لها.
في أحد المحافل العلمية، التقيت بزميل يعمل في مجال التربية، ويشتغل بالإضافة إلى مهنته في تدريب منتخب العراق للرماية (ناشئين وناشئات). كانت دُر يومها في الرابعة عشرة من عمرها، تحمل حلماً بسيطاً وواضحاً هو “ممارسة الرياضة: كرة القدم، أو الركض، أو ربما التايكواندو”.. أي شيء يشبه شغف العمر، لكن ذلك اللقاء العابر، قادها إلى رياضة لم تكن يوماً “على البال ولا على الخاطر”.. الرماية.
اقترح المدرب لعبة أخرى، غير التي تهواها، لعبة، كما وصفها، تقوم على التركيز، ويكون التنافس فيها بالهدوء، ويبنى الفوز على الاستقرار، وسط قاعة مغلقة لا يكسر صمتها سوى صوت “الصجمات”. لم نكن نعرف عن اللعبة أكثر من فكرة أولية: “هدف ثابت، تصويب دقيق، ونقاط تحصد بقدر ما يملك اللاعب من سكون داخلي”.
لكن، أي هدوء هذا الذي يتحدث عنه الزميل؟ ونحن أبناء شرق العاصمة، نتعاطى الصخب كما لو كان جزءاً من تكويننا اليومي.
مدن الضجيج
شوارع لا تهدأ “ليلاً ونهاراً”، زحامات خانقة، أبواق سيارات لا تتوقف، مدارس مكتظة حد الاختناق، “تكاتك” تجتاح الأزقة بسرعات مجنونة، أغانٍ صاخبة، وباعة متجولون يعلنون عن بضائعهم عبر مكبرات صوت مبحوحة مع كل صباح… لا فيروز هنا، لا مساحة للصمت، إنها مدن الضجيج.
لا أرصفة للمشاة، ولا حدائق لالتقاط الأنفاس، أماكن التشجير ابتلعتها التجاوزات. ليالينا من دون هدوء، ونهاراتنا من دون سلام.. مشاكل، “طلايب”، شجارات بسبب أطفال يلعبون كرة القدم في الشارع، أو طير حط بالخطأ على سطح بيت مربي طيور منافس! تفاصيل حياة جامحة، لا تعرف السكون.
وسط كل هذا، جاءت الرماية لتفرض شروطها “القاسية” والنبيلة في الوقت ذاته: “يتحلى اللاعب بالهدوء والاستقرار النفسي والبدني”! نقيضان كبيران، لعبة تستدعي السكون المطلق، في مواجهة حياة تتسع يوماً بعد آخر لمزيد من الضجيج والفوضى.
على مائدة الغداء، فتحنا الحكاية، ناقشت مع دُر وأمها فكرة الرماية، وإمكانية أن تدخل الابنة عالم الرياضة من هذا الباب المختلف، بدلاً من كرة القدم والركض وسواهما. الرماية، تلك اللعبة التي نجهل تفاصيلها كما يجهلها أغلب الناس.. انتهى الحديث إلى اتفاق بسيط: “تتحضر در، وأن تخوض الاختبار، كما اقترح المدرب”. أعجبتها الفكرة، وعلى الرغم من غرابتها، قررنا المضي في هذه القصة حتى آخرها، والاستعداد للاختبار، لنكتشف: هل تصلح دُر لهذه اللعبة؟ أم أن الرماية ستبقى مجرد صدفة عابرة في ذكريات العمر؟
أهداف صغيرة في سماء ضيقة
لكن، وقبل أن نخطو الخطوة الأولى، دعني أتوقف هنا، يا صديقي، كيف لنا أن نقنع الناس؟ الأقرباء، الأصدقاء، الغرباء، أن ما نتحدث عنه رياضة، محض لعبة تقاس بالأرقام، إصابة هدف بدقة ومهارة، تنافس شريف على نقطة أعلى، وإطلاقة هوائية (صجمة) لا تحمل رصاصاً ولا باروداً، ولا تمت بصلة إلى القتل أو الموت؟
تعال يا صديقي.. كيف نمحو من الأذهان تلك المفاهيم الثقيلة، المرتبطة بالموت وقنص البشر، أو حتى بالصيد، الجائر منه والجائز؟ كيف نفصل بين “الرماية” كرياضة، و”الرماية” كمصطلح مشبع بالعنف في ذاكرتنا الجمعية؟ وتعال أيضاً، كيف نضع أقدام البنات بثقة في ميادين الرياضة؟ كيف تقتحم الفتيات مجالاً يصنف، ظلماً، على أنه “ذكوري” بامتياز، مثل الرماية؟
خوارزميات الرماية في العراق!
وقبل الذهاب إلى موعد الاختبار، فتحنا متصفح “غوغل”، وكتبنا كلمة واحدة: “رماية”، فجاءت النتائج كما تريد لها خوارزميات العراق أن تكون: أخبار عن رماية الجيش والشرطة، وميادين الرمي التابعة للقوات الأمنية، وصور ومقالات عن القتل والموت.. كل شيء، إلا الرياضة.
حاولت تغيير صيغة البحث، من كلمة مفردة إلى جملة أكثر دقة (لعبة الرماية الأولمبية)، وظهرت بعض النتائج الخجولة، معلومات عامة، من دون شرح وافٍ لقوانين اللعبة أو فلسفتها. لا مؤلفات، لا كتب متخصصة، لا بحوث علمية عراقية تعنى بلعبة الرماية، سوى بعض الكتب المنهجية في كليات التربية الرياضية، وبضع محاضرات للمدربين.. لا مواقع عراقية أو عربية متخصصة، باستثناء مقاطع فيديو متفرقة ينشرها لاعبون ومدربون بجهود شخصية، وقليل من الأخبار السريعة التي تمر على البطولات مرور الكرام.
لكن، موقع الاتحاد الدولي للرماية، يبذل جهوداً كبيرة في نقل منافسات اللعبة وبصورة متفردة”.
الرماية الأولمبية، عالم أوسع مما نتصور، وتضم فعاليات وتخصصات متعددة. عالم كامل من التركيز، والانضباط، والسكون، يحاول أن يولد في بلد لا يمنح أبناءه فرصة حقيقية للصمت.
تتوزع اللعبة على فعاليات متعددة وتخصصات دقيقة، لكل منها روحها وأدواتها وإيقاعها الخاص، ومن أبرزها: المسدس الهوائي 10 أمتار، اللعبة التي خاضتها دُر ورحمة لاحقاً. والبندقية الهوائية عشرة أمتار، وتشبه سابقتها من حيث المبدأ، لكنها تختلف بنوعية السلاح، وتتطلب ارتداء بدلة خاصة، ومسدس السرعة، بالإضافة إلى البندقية ثلاثية الأوضاع والرماية على الأطباق، وإضافة إلى القوس والسهم، اللعبة التي تحمل بعداً تاريخياً وإنسانياً مختلفاً. كل فعالية من هذه الفعاليات ليست مجرد مسابقة، بل عالم مستقل، له قوانينه، وميدانه، وأدواته، وتحدياته.
عالم ذكوري!
ويكفي إلقاء نظرة سريعة على الأرقام، لندرك حجم الفجوة بين الرماة والراميات في العراق. فبحسبة بسيطة في واقع اللعبة اليوم، يتضح أن عدد الذكور يفوق عدد الإناث بفارق كبير.
في فئة المسدس الهوائي للناشئات، لا يتجاوز عدد اللاعبات المتدربات حالياً تسع فتيات فقط على مستوى العراق بأكمله، في حين يزيد عدد اللاعبين الذكور على 20 لاعباً. فارق يبدو طبيعياً، إذا ما قرئ في سياق المجتمع العراقي، الذي ما يزال يتحفظ على بناته، ويغلف خوفه عليهن بسور من القلق الاجتماعي، وأفكار متجذرة في وعي كثير من الآباء.
ولا يتوقف هذا الخلل عند حدود اللاعبات، بل يمتد إلى مفاصل اللعبة الأخرى، ففي مجال التحكيم، لا توجد سوى حكمة واحدة، مقابل ستة حكام من الذكور. أما التدريب، فالصورة أكثر قسوة، لا وجود لمدربة أنثى في ميادين الرماية، لا على مستوى الأندية، ولا ضمن المنتخبات الوطنية.
وحتى في الهيكل الإداري، تحضر المرأة حضوراً رمزياً، ففي اتحاد الرماية، توجد عضوة واحدة فقط مقابل تسعة أعضاء من الذكور، وهو حضور تفرضه قوانين وأنظمة «الكوتا» الدولية للرماية، التي تلزم الاتحادات الرياضية بوجود تمثيل نسوي، لا بوصفه خياراً ثقافياً، بل كشرط تنظيمي لا يمكن تجاوزه. هكذا تبدو الرماية في العراق.. رياضة تتطلب توازناً ودقة وعدالة، لكنها، حتى الآن، لم تنجُ من اختلال التوازن خارج ميدان المنافسة.
إصابة الهدف
ولكل منا هدف يسعى إلى تحقيقه، غير أن هذه المنافسة تمزج المعنى بالمعنى، الحقيقي بالمجازي، هنا، لا يكفي أن تحلم، بل يجب أن تصيب الهدف بالمعنيين.
للوهلة الأولى، يظن المرء أن اللعبة بسيطة بلا تعقيد “إطلاقة تتجه نحو هدف ثابت، والمشهد يبدو سهلاً، والنتيجة محسومة!” لكن الرماية، كما اكتشفنا لاحقاً، ليست بهذه السهولة. ذهبنا إلى مكان الاختبار في الموعد الذي حدده المدرب، في منطقة الإسكان. طريق مزدحم، اهتز معه كل ما يفترض أن يكون مستقراً في نفس اللاعب، وكيف للهدوء أن يصمد في زحام كهذا؟
بحماس الصبية وبثقة كبيرة، أصابت دُر الهدف، ولأكثر من مرة، وكان الاختبار الأول بالبندقية، أداة ثقيلة، أكبر من جسدها الغض. انتظرت ردة فعل، كلمة، إيماءة، تقييماً سريعاً، لكن المدرب لم يقل شيئاً، تصرف بهدوء تام، رحب بنا، واكتفى بجملة واحدة: “تعالوا الأسبوع الجاي”.
كنت أتوقع أن تُحسم المسألة من اليوم الأول، أن أعرف فوراً، هل تصلح دُر لهذه اللعبة أم لا؟ كانت لهفتي أكبر من صبري، كان ذلك تسرعاً. وكان الاختبار يتنوع بين المسدس والبندقية، وصار الاتفاق بعد أسابيع أن تنضم دُر إلى فريق المسدس، بحسب اعتبارات المدرب.
المدرب كان لغزاً، وكان يحمل حسابات لم نكن نعرفها. بعد فترة، فهمت المعنى، فالاختبار الأول لا يقول شيئاً، ولا يكشف صلاحية اللاعب، ولا يفضح إمكاناته الحقيقية، فالرماية ليست مهارة يد فقط، إنها لعبة الاستقرار النفسي، والهدوء العميق، والراحة البدنية والعقلية، والتغذية النوعية، والتوافق العصبي-العضلي. كل هذه العناصر لا تقاس في يوم واحد، ولا تختزل في إطلاقة أو اثنتين.
يجب أن يتكرر الاختبار، مرة بعد الأخرى، حتى تتكشف ملامح اللاعب، وتتضح علاقته بهذه اللعبة المعقدة.. اللعبة التي كنت أظنها، بسذاجة، أسهل من كرة القدم وسواهما. وبعد أكثر من شهر، من اختبارات أسبوعية، قال المدرب أخيراً جملته الحاسمة: “تصلح لممارسة لعبة الرماية”.
العقبات لا تجهض الآمال
لكن التحديات لم تنتهِ بعد.. الزحامات، المسافة الطويلة من شرق العاصمة إلى غربها، كلها تؤثر على مستوى اللاعب.. الأصوات المزعجة تفتك بالتركيز، تنهش الهدوء المطلوب لهذه اللعبة الصارمة.
كيف لنا أن نهرب من أبواق السيارات؟ من “التكاتك”؟ من الباعة المتجولين الذين يعلنون عن بضائعهم بصوت أعلى من حاجتنا للصمت: “خضرة… خضرة”.. “عتيك عتيك.. ماي أرو الدبه بـ500” وغيرهم ممن يعكرون صفو صباحاتنا كل يوم، بينما إصابة الهدف، لا تحدث إلا في بيئة مليئة بالسكون والاستقرار.
ومع كل خطوة إلى الأمام، اكتشف أن الطريق أطول مما ظننت، وأن اللعبة لا تكتفي بالمسدس والهدف، بل تطلب منك الكثير، صبراً، وتنظيماً، وتضحيات صغيرة تتراكم، حتى تصيب الهدف.. مرة أخرى، وبمعناه الأعمق.
لمحة
تعد الرماية واحدة من أقدم الرياضات التي رافقت الحلم الأولمبي منذ ولادته الأولى، فقد ظهرت للمرة الأولى في النسخة الافتتاحية لدورة الألعاب الأولمبية الحديثة في أثينا عام 1896، حين احتضنت خمس مسابقات، معلنة دخول هذه الرياضة عالم التنافس الدولي.
ومنذ ذلك التاريخ، حافظت الرماية على حضورها في معظم الدورات الأولمبية، كرياضة لا تغيب إلا نادراً، إذ استُثنيت فقط من نسختي سانت لويس 1904 وأمستردام 1928، قبل أن تعود وتستقر ضمن البرنامج الأولمبي. ومع مرور الزمن، لم تبق الرماية أسيرة شكلها الأول، بل تطورت بهدوء يليق بطبيعتها، مواكبة التقدم في تكنولوجيا الأسلحة والمعدات، حتى باتت اليوم رياضة دقيقة التفاصيل، عالية التنظيم، تضم 15 مسابقة رسمية ضمن جدول الألعاب الأولمبية، تجمع بين إرث التاريخ وحداثة الأداء.
وحديثنا هنا عن لعبة “المسدس الهوائي 10 أمتار”، المنافسة التي اختارتها دُر، وخاضتها بثبات لافت، محققة نتائج جيدة خلال فترة زمنية قصيرة، كأنها وجدت في هذا المسار ما يشبهها. المسدس الهوائي 10 أمتار هو الأداة الأساسية في هذه اللعبة، مسدس رياضي أولمبي، دقيق في مواصفاته، صارم في معاييره. يعتمد على الهواء المضغوط داخل أسطوانة، يدفع الذخيرة الصغيرة، التي نسميها في لهجتنا الدارجة “صجمة”، نحو هدف ثابت يبعد 10 أمتار، باستخدام يد واحدة فقط، من وضع الوقوف، حيث لا مجال للاتكاء ولا مساحة للخطأ.
وبحسب المواصفات الأولمبية، لا يجوز أن يتجاوز وزن المسدس كيلوغراماً ونصف الكيلوغرام، ويكون مزوداً بمقبض خشبي مصمم بعناية، يتلاءم مع تشريح يد اللاعب، كأن السلاح يُفصَّل على مقاس صاحبه. أما ثمنه، فيتراوح في السوق المحلية بين 1000 و3000 دولار، بحسب بلد المنشأ وجودة التصنيع.
سلاح المنافسة
وهنا تبرز المفارقة العراقية من جديد، فكلفة أدوات الرماية تعد عالية بالنسبة للرياضيين، في ظل دخول محدودة، وغياب الدعم الحقيقي من الأندية الرياضية التي نادراً ما توفر الأسلحة والمعدات اللازمة.
واقع قاسٍ يدفع كثيرين إلى مغادرة اللعبة مبكراً، على الرغم من امتلاكهم الموهبة والرغبة، وكأن الطريق إلى الهدف، لا تعيقه الصعوبة الفنية وحدها، بل تثقله أيضاً أعباء الواقع. سلاح المنافسة في الرماية ليس تفصيلاً ثانوياً، بل أحد أعمدة اللعبة، وأحد أسرار التفوق فيها، هكذا شرح لي المدرب الأمر، وبلغة مجازية لا تخلو من الدقة، قال: “تخيل أنك تقود سيارة (فيراري) حديثة الصنع، موديل 2025، وتتسابق مع شخص يقود سيارة قديمة من موديل 1980.. النتيجة محسومة قبل أن يبدأ السباق”.
ثم أضاف: “الأمر ذاته ينطبق على الرماية، الدول المتقدمة في هذه اللعبة تستخدم أسلحةً حديثة عالية التقنية، تشبه تلك (الفيراري) المتطورة، بينما نحاول نحن مجاراتهم بأسلحة قديمة، كسيارة خرجت من الخدمة منذ أعوام، لذلك، فإن المنافسة العادلة تصبح صعبة، وأحياناً شبه مستحيلة”. وكان حاسماً حين قال: “موديل السلاح يصنع الفارق في المنافسات الدولية”.
ومع إدراكنا، كعائلة خضنا هذا المجال، لهذه التفاصيل الدقيقة، وقبيل انطلاق البطولة العربية، بدأنا رحلة البحث عن سلاح خاص.
فتشنا الأسواق المحلية، ودخلنا محال بيع أدوات الصيد، لكننا لم نجد ما نحتاجه، إلى أن وصلنا، عبر شخص قريب من الاتحاد واللعبة إلى مسدس هوائي موديل 2010. اشتريناه بنظام التقسيط، وبسعر 2000 دولار، ليس ترفاً، بل ضرورة لاستمرار دُر في اللعبة، استجابة لرغبتها، وإيماناً منا ومن مدربيها بأنها قادرة على تحقيق إنجاز، بموهبتها وشغفها وإصرارها.
القبضة المعجونية!
من الأمور الأساسية في لعبة الرماية بالمسدس أن تكون قبضة المسدس مناسبة ومريحة ليد اللاعب، لأن يد كل شخص تختلف عن الآخر من حيث الحجم وشكل الأصابع وطريقة المسك. وكما لا يمكن لشخصين ارتداء الحذاء ذاته والراحة به، لا يمكن للاعبين استخدام قبضة واحدة، بل يحتاج كل لاعب إلى قبضة تناسب يده هو تحديداً، وغالباً ما تكون هذه القبضة مصنوعة من الخشب.
في الدول المتقدمة، وحتى في بعض دول الجوار، يتم أخذ صورة ثلاثية الأبعاد ليد اللاعب، ومن خلالها تُصنع قبضة خاصة باستخدام أجهزة وطابعات حديثة، بحيث تكون القبضة دقيقة جداً وتساعد اللاعب على التحكم الأفضل وتحقيق نتائج أعلى.
أما في العراق، وبسبب عدم توفر هذه التقنيات، يلجأ المدربون إلى حل بسيط، يتمثل بتعديل القبضة يدوياً عن طريق إضافة خليط من نشارة الخشب والغراء، ثم يضع اللاعب يده على القبضة لتأخذ شكلها. وبعد أن تجف المادة، تصبح القبضة مقبولة إلى حد ما، لكنها تبقى أقل دقة، لأنها تعتمد على طريقة تقليدية وبسيطة جداً مقارنة بما هو معمول به في الدول الأخرى.
وعلى الرغم من تفوق اللاعبات العربيات بنوعية السلاح وحداثة تصنيعه، تمكنت دُر من تحقيق نتيجة إيجابية، بسلاح قديم نسبياً، وتدريب محدود، وميدان بدائي على سطح المنزل.
دُر تمارس الرماية، مصدر الصورة: الكاتب
حققت دُر المركز الأول في بطولة العراق للرماية (مسدس هوائي 10 أمتار/ ناشئات) لسنتين متتاليتين، ونالت المركز الأول في فعالية الفردي، وفعالية الزوجي، لعامي 2023 و2024، فيما حققت شقيقتها رحمة المركز السادس على مستوى العراق، وهو إنجاز جيد مقارنة بعمرها الرياضي الصغير، وقلة فترات تدريباتها.
احتفاء در ببطولة العراق للرماية, مصدر الصورة: الكاتب
وبعد هذه الإنجازات، وبعد اختبار رسمي أجراه الاتحاد العراقي للرماية قبيل البطولة العربية، تأهلت دُر لتمثيل العراق عربياً، حاملة معها قصة سلاح قديم وقبضة “معجونية”، وميدان على السطح، وحلم لا يعرف المستحيل.
ميدان في سطح المنزل
نعم، سطح المنزل، فقد شيدنا هناك ميداناً بسيطاً، بدائياً في شكله، كبيراً في معناه، هدف مصنوع من الكارتون، وخلفه مصد يشبه ساتراً ترابياً، ومصباح صغير لإضاءة الهدف.. قسنا ارتفاعه عن الأرض 140 سنتيمتراً، وحددنا المسافة بينه وبين موضع التصويب بعشرة أمتار، تماماً كما تنص عليه لائحة قوانين الرماية، ومن هذا السطح المتواضع، انطلقت نتائج كبيرة.
نحاول، كعائلة، أن نلبي متطلبات بناتنا الثلاث وولدنا الصغير، على المستويات كافة: الاجتماعية، والمادية، والوجدانية. نفعل ذلك بوصفه أمراً طبيعياً، حين نختار أن نوفر لهم تعليماً جيداً، ورعاية صحيحة، واحتضاناً حقيقياً لمواهبهم ورغباتهم، لا بوصفها ترفاً، بل حقاً أصيلاً.
نحاول، وسط قسوة الحياة، وخشونة المجتمع، وتعقيداته التي لا ترحم، أن نكون السند، وأن نمنح أبناءنا مساحة آمنة للنمو والحلم، ونؤمن من دون تردد أن هذا السعي ليس فضلاً ولا تضحية استثنائية، بل واجبنا الأخلاقي تجاه أولادنا أن نقف معهم، وأن نختار لهم الأمل، حتى وهم يتعلمون كيف يواجهون العالم.
وهنا لا بد أن نتعرف على معنى ميدان الرماية الحقيقي.
لا مكان للصدفة
ميدان الرماية الأولمبي ليس مساحة عادية لإطلاق النار، بل منشأة تخضع لمواصفات صارمة ودقيقة، يحددها الاتحاد الدولي للرماية (ISSF) وبالتنسيق مع اللجنة الأولمبية الدولية. وتختلف هذه المواصفات تبعاً لنوع الرماية: مسدسات، بنادق، أو رماية أطباق.
ووفقاً للوائح الفنية الحديثة والمعايير التنظيمية المعتمدة دولياً، فإن أي دولة تطمح إلى استضافة أو اعتماد مسابقات رسمية، محلية كانت أم دولية أم أولمبية، ملزمة بتجهيز منشأة وطنية بمواصفات عالمية، لا تقبل الاجتهاد ولا الحلول المؤقتة.
فميدان الرماية يتطلب نظام أهداف إلكترونية معتمداً دولياً، وغرفاً مخصصة لفحص الأسلحة وصالة تحكم وتحكيم ومناطق منفصلة وآمنة للجمهور والإعلام، وكل ذلك وفق معايير السلامة الدولية.
أما من الناحية الإنشائية، فيجب أن يُصمم الميدان بما يمنع خروج الطلقات خارج نطاقه، عبر جدران خلفية محصنة، ومصائد رصاص أو أنظمة حواجز متخصصة. كما يجب توفير حواجز أمان بين الرماة أنفسهم، وبين خط الرمي ومناطق الجمهور، إضافة إلى تخصيص مناطق محظورة لمنع الوصول غير المصرح به خلف خط الرمي.
ولا يكتمل المشهد من دون البنية اللوجستية والإدارية، من: منطقة استقبال وتجهيز للرياضيين، ومناطق راحة، وغرف تبديل ملابس، ومكاتب للمنظمين والحكام، وغرفة تحكم للنظام الإلكتروني، وغرفة لفرز النتائج، ومخازن للمعدات والأهداف
كما يتطلب الميدان: موقعاً خاصاً لفحص الأسلحة والمعدات وورشة لصيانة الأسلحة ومنطقة مخصصة للإعلام والصحافة، بوصول آمن وغير مزعج ووحدة طبية مجهزة للطوارئ وموقف سيارات يتسع للاعبين والجمهور والفرق المشاركة. كل ذلك، ليُتاح للاعب أن يقف أمام هدفه في بيئة تحترم تركيزه وسلامته وعدالة المنافسة.
حين تتكلم الأرقام
في الرماية الحديثة، لم تعد الورقة والحكم وحدهما كافيين. النظام الإلكتروني للأهداف بات شرطاً أساسياً في المسابقات الدولية، وحتى في المنافسات المحلية المتقدمة، ويجب أن يكون معتمداً رسمياً من ISSF. في منافسات المسدس والبندقية الهوائية 10 أمتار، تُستبدل الأهداف الورقية التقليدية بأنظمة قياس إلكترونية عالية الدقة، تعرض النتائج فوراً على شاشات الرماة والحكام والجمهور.
ما هو جهاز قياس النقاط؟
هو نظام هدف إلكتروني (EST) يقيس مكان إصابة الطلقة بدقة متناهية، ويحتسب النقاط آلياً من دون تدخل بشري. وتعد الشركات السويسرية والألمانية من أبرز المصنعين لهذه الأنظمة، وهي معتمدة دولياً وتستخدمها معظم دول العالم.
ويعمل الجهازعند انطلاق الصجمة من مسدس الهواء المضغوط، حيث تمر عبر إطار الهدف، ويتم قياس الإصابة إما عبر الاستشعار الصوتي أو الاستشعار الضوئي، لتظهر النتيجة فوراً على النظام الإلكتروني. ويمتاز هذا النظام بالدقة العالية، والنتائج الفورية، وتقليل الأخطاء البشرية، ما يجعله مثالياً للبطولات، بعكس الأهداف الورقية.
الأهداف الورقية… معاناة عراقية
في العراق، نصف أهداف ميادين الرماية ورقية، والنصف الآخر إلكتروني، والهدف الورقي ليس سوى قطعة كارتون مرسومة بدوائر مرقمة من 5 إلى 10، ويتم التصويب عليها من مسافة عشرة أمتار، ويقدر الحكم نتيجة الإصابة بعينه، لا بجهاز.
ويعاني اللاعب العراقي من قلة ميادين التدريب، ونقص حاد في الأهداف والأجهزة داخل ميدان الاتحاد العراقي للرماية، حيث يتدرب الناشئون والشباب والمتقدمون. فكل لاعب يحتاج إلى هدف خاص، وحين يجتمع نحو 30 لاعباً ولاعبة في يوم تدريب واحد، يضطرون للتدريب بالتناوب، بانتظار شغور هدف، وأحياناً الانتظار حتى انتهاء “الوجبة الأولى” لدخول وجبة تدريب ثانية على الأجهزة ذاتها. وكل هذا يحدث في لعبة تحتاج أصلاً إلى الهدوء، والراحة، وصفاء الذهن، واستقرار المشاعر.
نثق بلعبة تقاس نتائجها بالأرقام الإلكترونية.. البشر ربما يخطئون ويصيبون.. يجاملون.
الرماية لعبة تعتمد على الأرقام الواضحة والصريحة. الطلقة تنطلق باتجاه هدف معروف وثابت، والنتيجة تُحتسب فوراً من دون أي اجتهاد أو تفسير أو مزاج شخصي، لا يوجد فيها تزوير، ولا تحريف نتائج.
بمعنى أدق، قوة اللاعب أو ضعفه في الرماية لا تقبل الشك إطلاقاً، إما أن تصيب الهدف وتحصل على النقاط، أو لا تصيب. في ألعاب أخرى مثل كرة القدم أو كرة السلة، قد يبقى الأداء قابلاً للجدل: هل اللاعب موهوب أم لا؟ هل الحكم أنصف الفريق؟ هل المدرب أخطأ في التقييم؟
لكن في الرماية، لا مجال لهذا الجدل، اللاعب يحصل على نقاطه من خلال طلقاته فقط، وتُحتسب هذه النقاط بواسطة أجهزة إلكترونية دقيقة تعتمد على حسابات رياضية ثابتة، لا علاقة لها برأي إنسان أو مزاج مدرب أو حكم. الرماية لعبة لا تحتمل الشك، ولا يمكن التلاعب بنتائجها كما يحدث أحياناً في ألعاب أخرى، لأن الإنسان لا يتدخل في احتساب النقاط، بل الآلة والرقم هما الحكم النهائي.
في كثير من الألعاب الجماعية، قد يتدخل العامل البشري في تحديد الموهبة: رأي مدرب، أو قناعة إداري، أو اجتهاد حكم. أما في الرماية، فالموهبة واضحة ومحددة، والنتائج تكشف اللاعب الحقيقي من دون وساطة. المؤسف حقاً، أننا أصبحنا نثق بلعبة تُقاس نتائجها بالأرقام الإلكترونية الدقيقة، أكثر مما نثق بألعاب تُقاس فيها الموهبة أحياناً، وفق آراء بشر قد يخطئون أو يجاملون أو يظلمون.
تتعامل الحكومة العراقية مع المسدسات والبنادق الرياضية بوصفها أسلحة نارية، ما يفرض قيوداً مشددة على الاستيراد والتداول. لا يستطيع اللاعب شراء السلاح من الخارج، ولا استيراده عبر منصات عالمية، بسبب غياب آليات قانونية واضحة تنظم شراء معدات الرماية الرياضية.
العراق.. المختلف عن كل دول العالم!
في العراق، لا تُعامل المسدسات والبنادق الرياضية الأولمبية بوصفها أدوات رياضية، بل تُدرج ضمن خانة الأسلحة النارية، ولا يُسمح بتداولها إلا عبر كتب وموافقات حكومية رسمية معقدة. وبهذا الفهم، يُغلق الباب أمام اللاعب العراقي منذ البداية، فلا يستطيع شراء سلاحه الرياضي من خارج البلاد، ولا استيراده عبر منصات البيع العالمية مثل أمازون وغيرها، على عكس ما هو معمول به في معظم دول العالم. والسبب لا يكمن في ندرة السلاح، بل في غياب آليات واضحة وقوانين منظمة تنظم شراء وتداول الأجهزة الرياضية ومعدات لعبة الرماية.
هكذا يجد اللاعب نفسه محاصراً بين شغفه بالرياضة وبين منظومة تشريعية لم تُفرّق بعد بين سلاح للمنافسة الأولمبية وسلاح للعنف.
حين يصبح الإرث منافسة
وفي سياق قريب مما أرويه، حدثني صديق يعمل مدرساً في إحدى الدول الخليجية المجاورة، عن الألعاب الفردية هناك، وكيف تحولت بعض الرياضات إلى ما يشبه الأعياد الوطنية، خصوصاً تلك المرتبطة بالإرث الحضاري للبلاد: الرماية، سباقات الخيل والهجن، ومنافسات الطيور الجارحة وغير الجارحة.
قال لي إن تلك الدول، وعلى الرغم مما بلغته من طفرات تكنولوجية ومعمارية وثقافية، ما زالت تؤمن بأن هذا الإرث جزء أصيل من وجودها، وأن الحفاظ عليه ليس حنيناً للماضي، بل استثمار في الهوية. يريدون للعالم أن يرى رياضات أجدادهم، ويريدون لأبنائهم أن يتعلموا، من خلالها، من هم… ومن أين جاؤوا.
وذهب صديقي أبعد من ذلك، حين أخبرني أن الحياة في مدينته تتوقف أسبوعاً كاملاً مع انطلاق سباقات الهجن. حتى المدرسة الأمريكية التي يعمل بها تغلق أبوابها شبه رسمياً، تفاعلاً مع الحدث السنوي، الذي يُقام في أجواء احتفالية مهيبة، ومنافسات محتدمة بين سلالات نادرة من الإبل، برعاية الدولة، وجوائز كبيرة، ودعم إعلامي ومجتمعي لا يعرف الحدود.
رياضة تُعلم الصبر
الرماية لعبة التركيز قبل كل شيء، لعبة القوة المقترنة بالعزيمة، والهدوء المشبع بالثبات. سواء كنت رياضياً متخصصاً أو هاوياً، فهي لا تفصل بين الجسد والعقل، بل تعيد صياغة العلاقة بينهما. ولهذا يتدرّب أفضل الرماة يومياً لساعات طويلة، ولا يبتعد عنها الهواة، لأنهم يجدون فيها مساحة للاسترخاء، ومنفذاً للطمانينة، وطريقة صامتة لنسيان المخاوف والضغوط. ويُنمي الرماة هذه القدرات عبر التحكم في التنفس، وضبط التركيز، وإدارة التوتر أثناء الأداء.
وما يتعلمه اللاعب في ميدان الرماية لا يبقى هناك، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة كافة، من مواعيد العمل، إلى ضغوط المعيشة، وصولاً إلى أكثر المواقف إنهاكاً.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الرماية ليست مجرد رياضة تنافسية، بل مدرسة متكاملة لبناء الإنسان. فهي تُنبه أعضاء الجسد، وتُدرّب الفرد على الاعتماد على النفس، وتُقوّي الإرادة والشجاعة، وتُساهم في تحقيق تناغم عميق بين المجموعات العضلية والجهاز العصبي المركزي.
الإطلاقة بين النبضتين
تتطلب الرماية دقة عالية، وثباتاً ذهنياً وجسدياً استثنائياً، ولبلوغ أقصى درجات التركيز، يلجأ الرياضيون إلى تقنيات خاصة للاسترخاء، وخفض معدل نبضات القلب، بل ويطلقون الإطلاقة بين نبضتين، في لحظة توازن نادرة بين الجسد والإيقاع الداخلي. كما يستخدمون “الواقيات الجانبية” لعزل المؤثرات البصرية، والتركيز على هدف لا يبدو في الغالب أكثر من نقطة صغيرة بعيدة.
هكذا، لا تدرّس الرماية كيفية إصابة الهدف فحسب، بل تعلّم الإنسان كيف يصيب توازنه، وكيف يقف بثبات في عالم لا يكفّ عن الاهتزاز.
وتُعدّ الرماية رياضة مكلفة لأنها لا تكتفي بالموهبة وحدها.
المعدات: مسدسات وبنادق دقيقة، نظارات، واقيات أذن، ملابس خاصة.
الذخائر: طلقات باهظة الثمن، خصوصاً مع التدريب المستمر.
أماكن التدريب: ميادين آمنة، مجهزة بأنظمة تقنية معقدة.
التكاليف بالأرقام:
المسدس الهوائي 10 أمتار: من 1000 إلى 4000 دولار.
بندقية الهواء 10 أمتار: نحو 4000 دولار.
بدلة البندقية: قرابة 2000 دولار.
أما بدلة البندقية، فهي عبء إضافي. بدلة خاصة، تُفصَّل بقياسات دقيقة، من قماش نادر، غير متوفر محلياً. ما يضطر اللاعب إما لخياطتها خارج العراق، أو شرائها خلال مشاركاته الخارجية. هكذا، لا تقف الرماية عند حدود التصويب، بل تفتح مواجهة أخرى مع الواقع، والتكلفة، ونقص الإمكانات، في لعبة لا تعترف إلا بالدقة، ولا تكافئ إلا الصبر الطويل.
تعليم الحذر
في لعبة مثل الرماية، لا يعلو مبدأ على مبدأ الأمان. أمان اللاعبين والمدربين والحكام والجمهور، فدرء الإصابات ليس خياراً، بل بديهية راسخة، وقاعدة أولى في هذه الرياضة، كما في كل المنافسات التي تضع سلامة الإنسان في المقام الأول.
أما التمرين فوق سطح المنزل، فله حكاية أخرى أكثر مرارة من التمرين نفسه. في حي شعبي، بيوته متلاصقة، اشتكى أحد الجيران مما يحدث على السطح.. الريبة تسللت إليه، وظن أن “صجمات التدريب” قد تصيب أحدهم، أو تُلحق أذى بالمنازل أو المارة أو الأطفال.
تحدثت معه بهدوء وشرحت له ما نقوم به. قلت له إن الأمان هو أول ما يتعلمه الرامي، حماية نفسه وحماية الآخرين. اطمأن حين عرف أن التدريب يتم باستخدام الصجم، وحين علم أننا وضعنا أكياس رمل خلف الهدف، وأن مدى الصجمة محدود وغير مؤذٍ. وللأمانة، كان الشاب في غاية التهذيب والأدب. تفهم الأمر، لأنه ببساطة… شاب رياضي يعرف معنى الرياضة.
اللعبة الشعبية تبتلع الفردية
في بداية عام 2025، تلقيت اتصالاً من إدارة نادي أمانة بغداد، بشأن التعاقد مع دُر ورحمة لموسم رياضي كامل، لتمثيل النادي. تفاءلت خيراً، وذهبنا إلى مقر النادي، وجلست مع أحد مسؤولي التعاقدات، وبدأنا التفاوض.
كان العرض صادماً في تواضعه: 100 ألف دينار عراقي شهرياً لدُر، بطلة العراق لموسمين متتاليين، و50 ألف دينار لرحمة، اللاعبة الواعدة. لم أشعر بالخيبة، كنت أتوقع ذلك، فخبرتي تقول إن الأندية العراقية لا تهتم بالرياضات الفردية، ولا بالرياضي الناشئ، ولا حتى بالبطل. منذ عقود ونحن نسمع أن الدولة واللجنة الأولمبية ستولي اهتماماً بالألعاب الأولمبية.. ولم يحدث شيء.. ثلاثة عقود عاصرتها كاملة.
في اليوم نفسه، وفي النادي ذاته، تعمدت السؤال عن عقود لاعبي كرة القدم، كان الجواب صريحاً: رواتب تتراوح بين 750 ألف دينار إلى مليون شهرياً، وربما أكثر للأسماء اللامعة، على الرغم من أن النادي لم يحقق إنجازات تُذكر في كرة القدم، بينما يحقق فريق الرماية نتائج مهمة ومتقدمة.
حقاً، كرة القدم ابتلعت الألعاب الفردية كافة، إلا أننا نتأمل الخير دائماً! (ذُكر اسم النادي مثالاً لا أكثر، فالمشهد متشابه في أغلب الأندية العراقية).
بين الكتاب والرماية
الدراسة تحدٍّ لا يقل قسوة عن تفاصيل الرماية المتعبة. دُر اليوم طالبة في السادس العلمي، تحاول التوفیق بين التمرينات الرياضية ودراسة المواد العلمية الثقيلة، محاولة شاقة، لكنها تحاول.
المفارقة المؤلمة أن اتحاد الرماية وبعض الأندية تخصم من راتب اللاعب إذا تغيب عن التدريب، حتى لو كان سبب الغياب التزاماً دراسياً! راتب بائس، ومع ذلك، عرضة للخصم. وكنت أتمنى أن تمنح مكافآت للاعب موهوب يدرس السادس العلمي ويمارس الرياضة وهو بطل عراقي، بدلاً من أن يهدد بخصم راتبه. لكن الخصم لا يستثني أحداً.. حتى الأبطال. وتعال يا صديقي، كيف نقنعهم بعدم خصم هذه الرواتب البائسة أصلاً؟
حين ترفض البطلة قتل الحياة
دعوة عائلية إلى بساتين ديالى، للاستجمام، وتغيير جو العاصمة المكتظة.. خضرة، ماء، هواء مختلف، لكن الدعوة تضمنت صيد الطيور ببنادق الصيد، وما إن سمعت دُر ذلك حتى رفضت الدعوة رفضاً قاطعاً: “أنا لستُ قاتلة.. لن أقتل الطيور.. أنا رامية، أرمي على هدف محدد، ولن أقتل نفساً خلقها الله”.
أمل ينهض
عام 2025 كان ثقيلاً على الرماية العراقية، توقفت المنافسات المحلية، وتعطلت المشاركات الخارجية، بسبب مشاكل داخل اتحاد الرماية، وشكاوى عن شبهات فساد وصلت إلى اللجنة الأولمبية، وكانت النتيجة حلّ الاتحاد، ومعاقبة بعض المسؤولين، وإجراء انتخابات جديدة.
الاتحاد بحلته الجديدة وعد اللاعبين بإصلاحات حقيقية: بنى تحتية بمواصفات عالمية ومدربين أجانب وتوفير أسلحة وعتاد وزيادة الرواتب واستثمارات تخدم اللعبة واللاعبين. نعم، الموضوع معقد جداً، معقد كالحياة في هذا البلد، وكالرياضة فيه.. التباري قائم على السكون، إلا أن كل ما حولنا من دون استقرار.. ومع ذلك نتشبث بالأمل.
جاءت بالذهب
لم يكن ما حققته دُر مجرد نتيجة رقمية، بل قفزة رفعت بها سقف التوقعات، وأكدت نضج موهبتها وتطور مستواها، سواء في اختبارات المنتخب الوطني للناشئين قبيل البطولة أو في أولى مشاركاتها العربية.
في البطولة العربية للرماية (تونس 2024)، كتبت دُر اسمها بثبات، ذهب في فعالية الزوجي، وبرونز في فعالية الفردي، إنجاز يعد كبيراً، ولاسيما وأنه حضورها الخارجي الأول.
ذهبنا إلى مطار بغداد الدولي، فجراً، لنستقبلها استقبال الأبطال، غير أن الانتظار امتد لأكثر من ثلاث ساعات فرضه تفتيش أمني مطول على الأسلحة الرياضية، أسلحة لا تمت بصلة لأسلحة القتال، ما أثار استغراباً وتساؤلاً مشروعاً.. مفارقة تحدثنا عنها كثيراً.
ولأن الدخول إلى المطار لم يكن متاحاً آنذاك، كان اللقاء خارج المطار عند ساحة عباس بن فرناس، استقبلنا بطلتنا على الرصيف! ركبنا السيارة، ومعنا بطلة واعدة ووسامان عربيان. ارتفعت الأغاني الحماسية، والتقطنا الصور عند ساحة التحرير، ثم واصلنا الطريق إلى المنزل، عدنا للبيت مع الأحلام، وبطلة أكبر من حقيبة السفر.
احتفلنا بها كما يُحتفى بالحلم حين يتحقق.. أهل، أصدقاء، محبون. كتبت عنها بعض الجرائد، وتناقلت إنجازها المواقع، وتحدثت عنها شاشات فضائية، وكتب أصدقاء صحفيون كلمات فخر مستحقة. لكن المفارقة المؤلمة أن أي مؤسسة رياضية لم تبادر بتهنئتها.
وأتذكر هنا تهنئة لدُر خلال “رفعة العلم” في مدرستها “الثورة العربية”، ونفتخر بهذه التهنئة الكبيرة بكل تأكيد.