يحلّل المقال العلاقة بين ضعف تمثيل النساء في التغطيات الإعلامية خلال الأزمات وبين غيابهن عن مفاوضات السلام، مستنداً إلى أرقام ومعطيات تُظهر اتساع الفجوة بين الحضور الديموغرافي للنساء وموقعهن الفعلي في صناعة القرار.
تلخّص صورة واحدة من مفاوضات واشنطن وطهران في إسلام آباد مشهداً يتكرر منذ عقود: طاولة تكتظّ بالرجال وتغيب عنها النساء، رغم أنّهنّ غالباً ما يجعلن السلام أكثر استدامة. لكن لا يبدو هذا الغياب تفصيلاً عابراً أو جديداً بقدر ما يعكس بنية أعمق، تتحكم بمن يُسمح له بالحديث ومن يُقصى من دوائر القرار، إلّا أن ما يحدث داخل غرف التفاوض لا ينفصل عما يُبث خارجها، إذ تؤدي وسائل الإعلام دوراً محورياً في ترسيخ هذا الإقصاء، ليس عبر ما تعرضه فقط، بل عبر ما تتجاهله أيضاً.
ولا يمكن قراءة ضعف تمثيل النساء في مفاوضات السلام بمعزل عن الصورة النمطية التي يصنعها الإعلام عنهن خلال الأزمات؛ ففي الغالب تُقدم المرأة في التغطيات بوصفها ضحيةً أو شاهدة هامشية من دون أن تكون فاعلة، وبذلك يصبح الإعلام شريكاً في صياغة مشهد متكرر يبدو طبيعياً، ويُعاد إنتاجه في كل مرة، وأحياناً يُسهم في إنضاجه.
جذر المشكلة: ما الذي جعل المرأة ضعيفة ودورها هامشي؟
لا يُعد ضعف تمثيل المرأة في مواقع مفصلية ومؤثرة وليد اللحظة، وإنما هو امتداد لبنية اجتماعية وسياسية تاريخية أعادت إنتاج المرأة في أدوار محددة مسبقاً، تبدأ من التنشئة الاجتماعية التي تحدِّد ما هو مسموح وما هو غير مسموح، وتُرسِّخ منذ الطفولة تقسيمات “جندرية” غير متكافئة، يكون فيها نصيب النساء أدوار الرعاية، مقابل منح الرجال أدوار القيادة واتخاذ القرار والسيطرة على المجال العام.
أما سياسياً، فتتعزز هذه الأدوار عبر أنظمة مؤسساتية وقانونية وثقافية، تُكرِّس مجموعة من العوامل التي تحد من وصول النساء إلى مراكز القرار، سواء عبر ضعف التمثيل في الأحزاب والبرلمانات والوفود التفاوضية، أو من خلال جعلهن في موقع التبعية عبر تهميش خبراتهن وتقليل شرعيتهن السياسية. ولطالما سُوِّقَت السياسة على أنها مجال “ذكوري”، ما دفع إلى تهميش النساء وتحويل أدوارهن إلى أدوار رمزية.
وتتنوع الأسباب التي تُضعف حضور المرأة وتشكّل عائقاً أمام وصولها إلى مواقع صنع القرار؛ حيث تعاني النساء في كثير من الأحيان من محدودية الوصول إلى الموارد الاقتصادية، مثل فرص العمل والتمويل وحتى شبكات النفوذ، مما يؤدي إلى ضعفٍ اقتصادي ينعكس مباشرة على حضورهن السياسي، إذ إن عملية صنع القرار تتطلب دعماً مؤسسياً ومالياً وشبكة علاقات قوية.
ويُوضع حضور النساء أحياناً في الواجهة بشكلٍ شكلي أو رمزي، دون وجود إرادة سياسية حقيقية لإشراكهن في مراكز القرار، إذ يُستخدم حضورهن لغرض إظهار الحداثة أو الاستجابة للضغوط الدولية دون منحهن تأثيراً حقيقياً.
الإعلام ودوره في تصدير نموذج واحد للمرأة
قدّمت وسائل الإعلام صورة واحدة عن المرأة، وهي صورة تُظهرها بوصفها “غير فاعلة” وضحيةً في أوقات الأزمات والصراعات، مما ساهم في إقصاء وإبعاد فكرة تمثيل النساء بشكلٍ جيد وجعلهن عنصراً مؤثراً خلال الحروب وما بعدها، إذ تعتمد وسائل الإعلام في هذه الأوقات على التغطيات الإخبارية والتحليل العسكري والأمني، وعلى الرغم من حضور النساء في التغطيات الإخبارية، إلّا أن نسبة مشاركتهن لا تتجاوز ربع المحتوى تقريباً، بينما تظل نسبتهن كمصادر أو خبيرات أقل من ذلك، كما تُستبعد النساء من النقاشات المتعلقة بالأمن والسياسة، ما يعكس فجوةً واضحة بين الواقع الديموغرافي والتمثيل الإعلامي.
وفي أوقات الأزمات، يميل الإعلام إلى استضافة الخبراء من خلفيات سياسية وعسكرية، باعتبارها مجالات يهيمن عليها الرجال؛ وبذلك، يضخّم الإعلام الواقع الإقصائي، حيث يمنح الرجال مساحةً أكبر للحديث والتحليل، ما يعزز تصورهم كأصحاب معرفة وسلطة، ويجعل حضور النساء يبدو استثناءً لا قاعدة، مما يخلق ثنائية غير متوازنة تتمثل في “الضحية والخبير”.
حضور شبه غائب وأرقام تكشف الفجوة
تكشف البيانات والإحصائيات الدولية حجم الفجوة بين الجنسين خلال الأزمات وما بعدها، وكذلك في فرص المشاركة في عمليات إحلال السلام، إذ تُشير التقديرات إلى أن المقالات التي تستشهد بالرجال تفوق تلك التي تستشهد بالنساء بما يقارب ثلاثة إلى أربعة أضعاف في المتوسط، كما يرد ذكر الرجال في الأخبار السياسية بمعدل أعلى يتراوح بين أربع إلى خمس مرات مقارنة بالنساء.
فضلاً عن ذلك، يشكّل الرجال ما نسبته 70 إلى 80 بالمئة من مصادر الأخبار في الإعلام العالمي، وهو ما يرتبط باعتماد الصحافة في أوقات الأزمات على المسؤولين الحكوميين والقادة الأمنيين والناطقين الرسميين، وهي مواقع يهيمن عليها الرجال غالباً.
وعلى الرغم من أن النساء يشكّلن قرابة نصف سكان العالم، فإن حضورهن الإعلامي ما يزال محدوداً بنسبة أقل بكثير من المتوسط العام، إذ لا تتجاوز نسبة مشاركتهن كمصادر وخبيرات عالمياً نحو 26 بالمئة، وتنخفض هذه النسبة بشكل أوضح في مجالات الأخبار الأمنية والعسكرية، إذ لا يحصلن إلّا على ربع فرص الظهور، تقريباً، بصفة خبيرات في مجالات السلطة والمعرفة، كما لا تتعدى نسبة النساء كمصادر إخبارية نحو 24 بالمئة.
ويُعزى هذا التفاوت إلى استمرار هيمنة الرجال على الخطاب التحليلي في الأخبار، ولا سيما في التغطيات السياسية والعسكرية، حيث يظل حضور النساء كمحللات أو خبيرات في قضايا السياسة والأمن حضوراً محدوداً، وتشير بعض التقارير الدولية المتعلقة بالسلام والأمن إلى انخفاض نسبة مشاركة النساء إلى نحو 13 بالمئة من الفاعلين في المحتوى الإعلامي.
وعلى الرغم من أن الصورة النمطية عن النساء تظهر بشكل غير منصف، فإن وسائل الإعلام لا تقوم إلّا بإعادة إنتاج واقعٍ تشكّل نتيجة عوامل متداخلة في بنية النظام الاجتماعي والسياسي، حالت دون وجود النساء في مواقع مختلفة.
ومن هذه العوامل الضغوطات المجتمعية وضعف الدعم، إذ يوجد عدد قليل من النساء في مراكز التحليل السياسي داخل المؤسسات ومراكز الدراسات الأمنية، وكذلك في مواقع صناعة القرار، فضلاً عن ذلك، هنالك إرث تاريخي للسلطة الذكورية وتحيزات ثقافية ومؤسساتية ساهمت في استمرار هذا التفاوت.
حضور النساء في الإعلام عربياً وعراقياً
تكشف نسب ظهور النساء في البرامج السياسية العربية انخفاضاً ملحوظاً، ومن خلال عملية رصد أجريت من أجل كتابة هذا المقال، تبيّن أنه من بين كل 10 حلقات تلفزيونية هنالك حلقة واحدة فقط تتضمن ظهور امرأة، وأحياناً يغيب حضورها بشكل كامل.
وبمتابعة ورصد عدد من البرامج السياسية العربية، مثل برنامجَي “المقابلة” و”سياق الحدث” اللذين يُعرضان على قناة الجزيرة، وبرنامجَي “ساعة حوار” و”خارج الصندوق” عبر قناة العربية، يتبيّن أنه من بين ثلاثة ضيوف محلّلين، غالباً ما تكون امرأة واحدة حاضرة، وأحياناً يتحقق توازن نسبي في التمثيل الجندري، أما إدارة الحوار فيتولاها أحياناً رجل وأحياناً امرأة.
أما برنامج “نقاش الساعة” الذي ذاع صيته على قناة الجزيرة خلال تغطية أحداث الحرب على إيران، ففي أحسن الأحوال كان يستضيف امرأتين مقابل ستة رجال، وأحياناً كثيرة كانت الحلقات تستضيف ثمانية رجال من دون أي امرأة.
في السياق العراقي، لا تختلف النسب كثيراً، بل تتدنّى إلى دون ذلك أحياناً، إذ تخلو بعض البرامج السياسية العراقية من وجود امرأة محللة أو خبيرة أمنية وعسكرية، وغالباً ما يكون التمثيل على نحو غير متوازن، بحيث يقابل ظهور امرأتين أو امرأة واحدة حضور عدد أكبر من الرجال.
من الإعلام إلى طاولات إحلال السلام
تصدّرت صورة واحدة للمرأة بوصفها فاعلةً في أدوار اجتماعية وإنسانية، وهي صورة ساهمت وسائل الإعلام في ترسيخها لأسبابٍ واقعية وأحياناً تحيُّزية، مما دفع النساء إلى خارج مواقع صنع القرار، وأقصاهُنَّ عن طاولات التفاوض الهادفة إلى إحلال السلام بعد الحروب والأزمات.
ورغم أن قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالمرأة والسلام والأمن تؤكد أهمية مشاركة النساء، فإن إقصاءهن وتهميشهن في القرارات المفصلية لا يقتصر على منطقة جغرافية بعينها، إذ إن المفاوضات الأخيرة في إسلام آباد بين واشنطن وطهران خلت من وجود نساء ضمن فرق التفاوض المعنية بملف السلام، ما يعكس وجود مشكلة يُعاد إنتاجها في كل مرة.
تاريخ غياب النساء عن طاولات التفاوض
بدأت المفاوضات قبل القرن العشرين بطابع كلاسيكي، إذ كانت تُدار بين الملوك والقادة العسكريين والدبلوماسيين الذكور ولم يكن للنساء أيّ حضور مؤسسي، لأن السياسة كانت تُعرف كمجالٍ ذكوري مغلق بينما كانت النساء مستبعدات قانونياً واجتماعياً من الحكم والتعليم في معظم الدول، ومع تأسيس عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى بدأ شكل جديد من الدبلوماسية متعددة الأطراف، إلا أنه لم يكن هناك أي تمثيل رسمي للنساء، وبقيت هذه العملية محتكرة من الرجال.
وحتّى بعد الحرب العالمية الثانية، وتأسيس منظمة الأمم المتحدة عام 1945، وظهور مبدأ السلم الدولي، بقيت الدول تُدار من قبل الرجال، وبقيت الجلسات التفاوضية خالية من النساء. ورغم ذلك، تشير دراسات إلى أن إشراك النساء في مفاوضات السلام يزيد من احتمالية استدامة الاتفاقيات بنسبة تصل إلى 35 بالمئة، ويقلّل من خطر فشلها بنسبة 64 بالمئة.
وخلال فترة الحرب الباردة، التي امتدت من منتصف الأربعينات حتى أوائل التسعينات من القرن الماضي، تم ربط مفهوم السلام بالأمن القومي والتوازن العسكري، ما جعل مفاوضات السلام جزءاً من منظومة أمنية مغلقة، وبعد نهاية الحرب الباردة بدأت الأمم المتحدة تدريجياً بالاعتراف بغياب النساء كمشكلة، وصدر قرار مجلس الأمن رقم 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن، وبعد ذلك بدأت مشاركة النساء في بعثات حفظ السلام، ولكن بنسبة أقل من الرجال.
أرقام تعكس غياب الحضور رغم الاعتراف الدولي
تشير بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن تمثيل النساء في عمليات السلام عالمياً ما يزال محدوداً للغاية؛ إذ تتراوح نسبتهن بين 5 و10 بالمئة من المفاوضين الرسميين في معظم السنوات منذ عام 2010، وظلت في الغالب دون حاجز 10 بالمئة في أغلب مسارات التفاوض، ما يعني أن نحو تسعة من كل عشرة مشاركين في مفاوضات السلام هم من الرجال.
ولم تتجاوز نسبة المفاوِضات النساء 7 بالمئة، بينما بلغت نسبة الوسيطات 14 بالمئة على مستوى العالم. وحتى في الحالات التي تشارك فيها منظمات نسائية غالباً ما يتم إشراكهن في مراحل متأخرة من العملية، ما يحدّ من قدرتهن على التأثير الفعلي في صياغة مخرجات السلام.
كما تُظهر الإحصاءات أن النساء شكّلن 9.6 بالمئة فقط من المفاوضين، و13.7 بالمئة من الوسطاء، و26.6 بالمئة من الموقّعين على اتفاقيات السلام في أكثر من 50 عملية سلام عام 2023. وخلال الفترة بين عامي 1992 و2019، لم تتجاوز نسبة النساء 13 بالمئة من المفاوضين، و6 بالمئة من الوسطاء في عمليات السلام الرئيسية.
وبالتالي تعكس الأرقام ضعف حضور النساء، رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على بدء الجهود الرامية إلى تقليص هذا الغياب في قرارات تقلب المعادلة السياسية عالمياً، ما يعطي تصوراً واضحاً بأن عملية إقصاء النساء من مواقع صنع القرار مستمرة، ونتائجها تعكس حجم الفجوة بين الواقع الفعلي للنساء وتطلعاتهن نحو تمثيل أكثر عدالة وإنصافاً.
تنشر المادة بالتعاون مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج”.