أقام بيت المدى للثقافة والفنون جلسة لتأبين واستذكار الشاعر والفنان والكاتب الكبير والشخصية الوطنية صادق الصائغ، الذي رحل عن عالمنا قبل أيام. شارك في الفعالية مجموعة من الأساتذة والنقاد وأصدقاء الراحل، الذين سلطوا الضوء على تجربته الثقافية في جميع الأجناس المعرفية التي خاضها الفقيد. قي الكبير صادق الصائغ في مدينة كربلاء عام 1936م. ويُعد من أبرز رواد جيل الستينيات في الأدب العراقي، واشتهر بأسلوبه السريالي المبتكر. برز نجمه في ستينيات القرن الماضي كأحد الأصوات الشعرية المجددة والمتمردة على القوالب التقليدية.
مسيرته متعددة المواهب، لم يقتصر إبداع "الصائغ" على الشعر فحسب، بل امتد ليشمل مجالات فنية وثقافية متعددة: الفن التشكيلي والخط: تميز بإسهاماته البارزة في الرسم وتطوير فنون الخط العربي. والصحافة والنقد: كانت له صولات وجولات في الصحافة، التلفزيون، النقد السينمائي، وكتابة السيناريو. واتسم أسلوب شعره بالجرأة والخيال السريالي، وكتب قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر. غادر العراق مبكراً متجهاً إلى براغ عام 1961، قبل أن يستقر به المقام في العاصمة البريطانية لندن، حيث وافته المنية في شهر مايو من عام 2024، عن عمر ناهز الـ 90 عاماً، تاركاً إرثاً ثقافياً وفنياً خالداً.
كان أول المتحدثين الناقد الكبير فاضل ثامر الذي قال: من الصعب على الإنسان أن يقف ليرثي صديقاً عزيزاً رحل في غفلة من الزمن، فما بالك إذا كان هذا الصديق شاعراً وفناناً وكاتباً وإنساناً رقيقاً مثل الصائغ، وأضاف أننا نجد أنفسنا مع شعرية صادق الصائغ المتوهجة والسريالية أحياناً ونحن نصغي لصوته الشعري وهو يملأ الفضاء الثقافي، مشيراً إلى أنه جيلياً يقف الصائغ في فضاء الستينيات، من دون أن ينتمي إلى جيل الستينيات فنياً أو رؤيوياً، شأنه شأن شعراء آخرين من أمثال يوسف الصائغ، وسعدي يوسف، وحسب الشيخ جعفر، ورشدي العامل وغيرهم الذين كان لهم حضور في الستينيات دون أن ينضموا لجيل الستينيات.
ثم أعقبه الناقد د. ضياء خضير الذي قال: لم تربطني والصائغ علاقة خاصة على الرغم من عملي معه في مجلة (ألف باء) خلال سنوات السبعينيات، وأضاف: كان الصائغ صوتاً مختلفاً، شاباً جميلاً هادئاً وعميقاً، ثم أشار إلى أنه التقى به ذات مرة في إحدى مرابد البصرة وسهرنا معاً، وأشار إلى أن صادق رحل ولكن أثره باقٍ في كلماته، واستشهد الناقد خضير خلال كلمته ببعض قصائد الصائغ.
بعدها قُرئت كلمة صديقه ورفيقه في المنفى انتشال التميمي كبير مستشاري مهرجان الجونة السينمائي، قرأها عنه الناقد السينمائي علاء المفرجي، والتي جاء فيها: عندما التقيته قبل أكثر من ٥٠ عاماً كان بالنسبة لنا مثالاً للشخصية الناجحة الفريدة سواء باهتماماته المتنوعة أو شكله الجذاب، أتوقف عند ميزة من ميزات صادق وهي الخط. نحن نعرف الصقار ولوحاته والمسعودي وخطوطه، ولكنني لا أعرف أحداً كان قريباً من خطوطه للوجه كما مع صادق، عندما أسسنا دار صحارى تبرع بخط اللوغو وكان في منتهى الجمال، وعندما كلفه أبو نبيل بوضع لوغو المدى أرسل صيغتين اختار منهما سعدي يوسف الخط الذي يُستخدم الآن رغم أن الصيغة الثانية في تقديري وتقدير صادق كانت الأجمل. سنفتقد صادق دائماً ولكنه سوف يبقى دائماً معنا في إنجازاته.
وتحدث الناقد السينمائي علاء المفرجي في كلمته عن صادق الصائغ سينمائياً قائلاً: ربما لا يعرف الكثيرون أن لصادق الصائغ انشغالاً بالسينما منذ أكثر من 4 عقود، لا يمكن لمتابع أن يتجاهله وهو يتقصى إبداع الصائغ، تؤثر وتتأثر باهتماماته الأخرى بما يسميه هو (تلاقح الأجناس)، فالنمط الدرامي والصورة البصرية تكاد تسم انشغالاته الإبداعية الأخرى بتأثير من السينما التي كانت كما يقول ملجأه الوحيد.. وأضاف: لم يكتف الصائغ بالعمل في مجال النقد السينمائي، فكان مشروعه في اختيار قصائد لشعراء عراقيين وعرب وتقطيعها سينمائياً إضافة إلى تجسيد الشخصية الرئيسة فيها، ثم عُرِضت في حلقات تلفزيونية، وكان من بينها قصيدة (غريب على الخليج) للشاعر بدر شاكر السياب، إضافة إلى قصائد لمحمود درويش وسميح القاسم وآخرين، مشيراً إلى أنه أنجز فيلمين وثائقيين هما (مفتاح للوطن) و(صهيونية عادية) اللذان نفذهما لحساب التلفزيون التشيكي، وهما الفيلمان اللذان صنعهما بعد خروجه من العراق 1979.
ثم قرأ الشاعر حسن عبد راضي رئيس بيت الشعر العراقي كلمة قال فيها: حين يموت شاعر، تذبل فجأة حدائق آس وقرنفل كان قد زرعها بين سطور قصائده من غير أن يلحظه أحد، ترتفع حرارة المحيطات، وينهتك ستر الطبيعة التي لطالما قال الفيزيائيون إنهم فهموا قوانينها، لكن الشعراء وحدهم، الشعراء الموتى هم الذين جسّوا نبض وجدانها الحي، بلغوا تلك التخوم التي لا تبلغها أقوى التلسكوبات ولا أحدث المسبارات. وأضاف: كتب الصائغ وأعدَّ أعمالاً خوالد، (البيك والسايق مثلاً) وقد مَثَّلها عمالقة المسرح العراقي كيوسف العاني وغيره من الرواد الكبار، وكان له في الخط والتصميم إنجازات مشهودة، مثلما هو وجه تلفزيوني معروف لمن أدرك تلفزيون العراق في مطلع السبعينيات إذ أعدّ وقدّم "البرنامج الثاني" الذي قدّم فيه رؤيته للإبداع في شتّى الفنون.
بعدها تحدث السياسي والكاتب حسان عاكف؛ حيث روى جانباً من علاقته بالصائغ، إذ قال: سمعت باسمه نهاية الستينيات، وتابعت فعالياته ونشاطاته من خلال صحيفة «طريق الشعب» و«الفكر الجديد»، وأنشطته عبر التلفزيون، إلا أن المعرفة المباشرة بدأت في خريف عام 1977 في بيروت، ثم تعارفنا أكثر في سوريا بعد خروجنا من بيروت؛ حيث تعرفت على طبيعة شخصيته، إذ كان له خصوصية، وكان إنساناً هادئاً ومؤدباً جداً، يحترم الجميع. وأضاف: أنا أعتقد أن أقرب من يتحدث عن صادق هو زهير الجزائري الذي رافقه سنوات كثيرة تجاوزت نصف قرن. واختتم عاكف حديثه بالقول: إن معرفتي بصادق كانت جيدة، فقد جمعتنا المحنة وهموم الوطن.
وفي كلمة للناقد الشاعر كريم شغيدل عن صادق الصائغ قال فيها: تسعون عاماً من الشعر والألوان والكتل والحروف والكلمات والمسرح والسينما والنقد والإعلام والنضال والحب والأسى ثم الرحيل.. أقول (تسعون عاماً). وأضاف: لأن الصائغ ولد بكل ذلك البهاء والجمال وبقي بروح طفل حتى في كهولته، وأظنه عاشها كلها بعمق إشكالياتها وغرابتها وسرياليتها التي انعكست على نشيده الأبدي (نشيد الكركدن) وبغربته الوجودية في (وطن للروح) وبما تفيض به روحه من حب في (حيث هو القلب) وبهويته وتشبثه الوجودي بالأرض في (أنا التراب) وبحزنه الإنساني في (حجر يبكي) وجذره الحقيقي في (قصائد الحب) ووحدته الوجودية في (قصائد الوحدة). وأشار أنه في كل هذه المجموعات الشعرية كان الصائغ هو نفسه بلغته المكثفة وصوره البسيطة المكونة مما هو يومي وعابر، ثم ينحرف عن مسار المألوف لإنتاج صورة غرائبية أو سريالية صادمة، قصائده مثقلة بهموم الوطن والناس من دون شعارات وانفعالات بل بهدوء العارف وبعمق التأمل الفلسفي الوجودي وبذات الاغتراب الروحي والثقافي والنفسي، وبأسلوب تطغى عليه تقنيات التشكيل وتوظيفات الألوان لخلق صورة شعرية متفردة.
ثم تحدث د. سعد عزيز عن صادق الصائغ مسرحياً حيث قال: كتب الصائغ في المسرح وعرّب مسرحية بريشت (بونتيلا وتابعه مانتي) بعنوان جديد هو (البيك والسائق)، المسرحية التي أخرجها إبراهيم جلال. حيث قال: لم يشعر الراحل بوجود حدود بين الأجناس الأدبية والفنية، فهي تمتزج مع بعضها كما تمتزج الغيوم.
بعدها تحدث الشاعر أحمد ناهم، وهو من شعراء جيل التسعينيات قائلاً: ينتمي الصائغ إلى حركة الحداثة العربية والعالمية، تلك الحركات التي رسمت لنفسها طريقاً شعرياً مغايراً يمتلك بصمة لا تتغير. وأضاف أن الأبعاد الحداثية لتلك التجارب لا تركن إلى التكرار أو الاجترار، بل نرى اختلافاً جذرياً مغايراً وأرضاً غير مأهولة قوامها الوعي والتجريب قصد الاختلاف.
اختتم الفعالية الناقد امين الموسوي الذي اجرى مقارنة بين قصيدة صادق الصائغ " هنا بغداد " وقصيدة الشاعر مصطفى جمال الدين .