رواية (أساساً) Fundamentally ، الصادرة مؤخرا، هي رواية أولى للكاتبة البريطانية (العراقية) نسيبة يونس Nussaibah Younis، المولودة في مانشستر عام 1984، رشحت للقائمة القصيرة لجائزة المرأة للرواية في بريطانيا. وتدور أحداثها حول نادية أمين، الأكاديمية في الثلاثينيات من عمرها، التي تعمل في برنامج للأمم المتحدة لمكافحة التطرف في العراق.
تستكشف هذه الرواية الساخرة الجريئة موضوعات الهوية والصراع الثقافي وبيروقراطية المساعدات الدولية. تنتقل نادية، بعد انفصال عاطفي، إلى بغداد لإعادة تأهيل نساء داعش، أو ما يسمى "عرائس تنظيم الدولة الإسلامية في العراق". وتنشأ بينها وبين سارة، وهي شابة ذكية وجريئة من شرق لندن انضمت إلى داعش في الخامسة عشرة من عمرها، صداقة معقدة وعميقة، تضعها أمام معضلة أخلاقية.
وتستند الرواية، إلى حد كبير، إلى تجربة الكاتبة نسيبة يونس كخبيرة في الشأن العراقي، وعملها مع الأمم المتحدة. وتمزج هذه الرواية، التي تتضمن عناصر سيرة ذاتية جلية واضحة حتى لمن لا يعرف الكاتبة، بين الدراما السياسية المشوقة والفكاهة، وتتسم جمالياتها بمزيج من السرد المثير، والحافل بالأحداث، جامعة بين الأجواء الكئيبة والمتوترة والخطيرة للصراع في العراق والتحولات والمنعطفات، وتقدم شخصيات واقعية ومتصدعة تجعلها مؤثرة وعاطفية.
تجمع هذه الرواية بين عناصر مختلفة: كوميديا صادقة، حبكة مشوقة، شخصيات يمكن أن نتعاطف معها حتى في أخطائها. وبأسلوب سردي قريب من المتكلم تتميز نادية بصوتها الحاد والمفعم بالصراحة، وتتأرجح طوال الرواية بين الشك الذاتي المفرط والثقة المطلقة بالنفس. وتعيد النظر في معتقداتها مقارنة بتلك التي يروج لها الأفراد والمنظمات المتنفذة. غير أن أكثر ما يثير الاهتمام هو الحس الأخلاقي الاستقصائي الجريء الذي يسري في جميع أجزاء الرواية، حتى ليشعر المرء بأن الروائية تمعن النظر في معتقداتنا العاطفية غير المدروسة حتى نواجه العالم على حقيقته، ونواجه أنفسنا على حقيقتها. ففور وصولها إلى العراق تدرك نادية سريعا مدى سذاجتها. لم تكن النساء اللواتي تعمل معهن في المخيم كما تخيلت، مجموعة من النساء الخاضعات المتواضعات، بل كنّ معقدات، متنوعات، يعانين من الصدمات، ولكل واحدة منهن أفكارها الخاصة.
ومن الجلي أن الروائية ملمة بموضوعها، وقد وظّفت خلفيتها ببراعة في الرواية. تقول سيرتها الذاتية إن الدكتورة نسيبة يونس، المولودة لأب عراقي وأم باكستانية، وتقيم حاليا في لندن، ناشطة في مجال بناء السلام، وخبيرة عالمية مرموقة في الشأن العراقي المعاصر. تحمل شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة درم في المملكة المتحدة، وشهادة البكالوريوس في التاريخ الحديث واللغة الانجليزية من جامعة أوكسفورد. وشغلت يونس منصب زميلة أولى في المجلس الأطلسي في واشنطن، حيث أدارت فريق عمل مستقبل العراق، وقدمت المشورة الإستراتيجية لوكالات الحكومة الأميركية بشأن السياسة العراقية. ونشرت الدكتورة يونس مقالات رأي في صحف: نيويورك تايمز، ووول ستريت جورنال، والغارديان، وكذلك تعليقات إذاعية على قناتي بي بي سي والجزيرة.
ومن الواضح أنها تستغل كل تلك الخبرة الواسعة في روايتها، وتوظفها بذكاء لإثارة التفكير حتى في الأمم المتحدة التي لم تسلم من التشريح والنقد، وهذا ليس أمرا مفاجئا لأحد. فقد كانت هذه المنظمة عاجزة، مثلا، عن التصدي للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل. وفي السابق كانت قد حاولت التستر على عمليات استعباد جنسي ارتكبها جنود حفظ السلام في البلقان. ولعل من حسن حظهم أن نسيبة يونس لا تهدف إلا لإظهار بيروقراطيتهم، وهوسهم بالتسلسل الهرمي، ومكافأتهم للتملق والمحسوبية، في شيء يذكرنا برواية جوزيف هيلر الشهيرة (كاتش 22).
ولأن نسيبة يونس بريطانية فقد استلهمت، بوضوح، من قصة شميمة بيغوم، البريطانية (البنغلاديشية الأصل) التي انتمت إلى داعش وهي في عمر الخامسة عشرة، وهربت، مع فتيات أخريات (تبين لاحقا أن جاسوسا كنديا قام بتجنيدهن عبر الانترنت وتهريبهن إلى سوريا).
تشكل التساؤلات حول معتقداتنا الفردية والجماعية، وعواقب التمسك بها، أساس رواية نسيبة يونس الأولى هذه. فنادية محاضرة في علم الجريمة بجامعة لندن، وقد حظيت مقالتها الأكاديمية الأخيرة حول عرائس تنظيم الدولة الاسلامية باهتمام عالمي، وراحت الأمم المتحدة تركز عليها. ويقودها بحثها الذي يطرح أسئلة مثل: ما العقوبة المناسبة لعرائس داعش اللواتي لم يرتكبن أية جرائم عنيفة؟ وهل يجوز احتجاز الناس لمجرد معتقداتهم؟ وهل ينبغي محاولة تغيير هذه المعتقدات؟ يقودها إلى العراق حيث تكلف بقيادة منظمة تابعة للأمم المتحدة لمكافحة التطرف، لكنها تكتشف أن غير قليلين في الأمم المتحدة لا يؤمنون بمكافحة التطرف. تصل نادية إلى بغداد بأمل كبير في مساعدة "النساء"، لكن سرعان ما يتبدد هذا الأمل وتواجه واقعا مريرا من التعتيم والنفاق الذي تشتهر به منظمات الإغاثة الأجنبية. فمنذ تفجير عام 2003 ظل مجمع الأمم المتحدة في حالة دفاعية. وأصبحت بعثة الأمم المتحدة، التي من المفترض أن تكون مؤقتة، بعثة شبه دائمية.
وفي مقابلة أجرتها معها الصحفية ماندي مايلز ونشرت على موقع أكس (تويتر سابقا) في حزيران 2025 قالت نسيبة يونس إن روايتها (أساساً) هي محاكاة سوداوية ساخرة، استندت إلى تجاربها الشخصية في العمل بالعراق، ولهذا تعتبر أن القصة تتميز بمصداقية عالية. وتشير إلى أن عددا من العاملين في الأمم المتحدة قرأوا الرواية وأخبروها بأنها أفلحت في تصوير إحباطاتهم الشخصية من العمل ضمن هذه المنظمة العالمية. وتضيف يونس أنه "رغبة مني في التواصل مع جمهور أوسع أردت التركيز على زوجة أجنبية من عناصر داعش بدلا من زوجة عراقية، مما أدى إلى بعض الاختلافات عن الواقع. والأهم من ذلك أن القصة تروي أحداثا عاطفية حقيقية".
وتقول يونس إنه "بالنسبة لي كان من الأهمية بمكان أن تكون للقراء علاقة عميقة ومتعاطفة مع شخصية سارة، عروس داعش، مع مقاومة إغراء تجميل صورتها، أو التظاهر بأن قضية مثل قضيتها ليست بالغة التعقيد. أعتقد أنني وفقت، في النهاية، في تحقيق التوازن، لكنني عانيت كثيرا في سبيل ذلك".
وفي مقابلة مع برنامج (ساعة المرأة) عل قناة (بي بي سي) ذكرت نسيبة أنه "كان من الممكن أن تكون سارة أنا ببساطة"، وهو شعور عبرت عنه نادية في الرواية، فما الذي كانت تقصده الروائية؟ تقول "عندما كنت في السابعة عشرة من عمري درست على يد الشيخ أنور العولقي (أنور العولقي (1971 - 2011) هو رجل دين أمريكي من أصل يمني، قيادي في تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية. ولد في الولايات المتحدة، وعمل إماماً لعدة مساجد أمريكية، ثم تحول إلى خطيب متشدد ومُلهم لعدة هجمات، قبل أن تقتله طائرة أمريكية بدون طيار باليمن في 30 أيلول 2011). وكنت أكن له، آنذاك، إعجابا كبيرا، فقد كان يتمتع بشخصية جذابة وذكاء حاد، وكنت أصغي اليه باهتمام بالغ. واليوم أشعر بامتنان كبير لأنه لم يحاول أبدا تجنيدي في التطرف عندما كنت مراهقة ضعيفة، وكثيرا ما تساءلت عما كان سيحدث لي لو فعل".
من الجلي أن الفكاهة تلعب دورا محوريا في رواية (أساساً)، فلماذا كان من المهم إدخال الكوميديا في موضوع جاد وحساس سياسيا كهذا؟ تجيب المؤلفة: "أحب قراءة الكتب الفكاهية. أشعر بسعادة غامرة كلما أضحكني كتاب بصوت عال. وأردت أن أنقل هذه التجربة إلى قرائي. وعلى الرغم من أن موضوع الرواية ليس فكاهيا ظاهريا، فان الواقع يشير إلى أن كل تجربة إنسانية تتضمن جوانب فكاهية، وقد اخترت إبراز هذه اللحظات وجعلها محورية في الرواية".
لقد درست نسيبة يونس في جامعات مرموقة، ونالت شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية، ولكنها، أيضا، دخلت دورة في الكوميديا الارتجالية كجزء من عملية كتابتها الابداعية. وعن الانتقال من الأجواء الأكاديمية إلى الكوميديا تقول: "أعتقد أن فناني الكوميديا الارتجالية من أذكى الأشخاص الذين قابلتهم في حياتي. ويتطلب الأمر ذكاء حقيقيا وسرعة بديهة ليكون المرء مضحكا على المسرح، للتفاعل مع الجمهور، وإضحاك الناس. أكن احتراما كبيرا لهذا الفن، لكن بالنسبة لي أفضل أن يكون لدي متسع من الوقت للتفكير في نكاتي مسبقا وكتابتها بدلا من أدائها".
أخيرا تجدر الإشارة إلى أنه تم شراء حقوق تحويل رواية (أساساً) إلى مسلسل تلفزيوني، شرعت يونس في كتابة حلقاته. وترتبط المؤلفة بعقد لكتابة رواية جديدة، تشتغل عليها في الوقت الحالي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الطريق الثقافي – العدد 180 – 13 أيار 2026 عرض أقل