جوليان بارنز مودّعاً الرواية: عزفت كل ألحاني
نشر بواسطة: mod1
الإثنين 18-05-2026
 
   
رضا الظاهر

من الجلي أن إحساسا طغى على الكاتب الإنجليزي جوليان بارنز بأنه لم يعد لديه ما يمكن أن يقوله بصيغة رواية. ولهذا اعتبر روايته الجديدة (رحيل) Departure، الصادرة مؤخرا، روايته الأخيرة، منهيا بذلك مسيرة امتدت 45 عاما في كتابة الروايات. ومن بليغ الدلالة أن بارنز قال، عند إصداره هذه الرواية عشية بلوغه الثمانين، "أشعر بأنني عزفت كل ألحاني".

ورواية (رحيل)، وهي خاتمة مسيرة تشمل 15 عملا روائيا، تبدأ مع نهاية الحياة، لكنها لا تنتهي عند هذا الحد. وفي جوهرها تدور حول الأمور الوحيدة التي كانت ذات قيمة حقيقية: كيف نجد السعادة في هذه الحياة، ومتى يحين وقت الوداع. وتمزج الرواية بين الخيال والسيرة الذاتية والمقال لاستكشاف الشيخوخة والذاكرة ونهاية الحياة. وتدور أحداث الرواية حول قصة حقيقية لستيفن وجين، وهما حبيبان يساعدهما الراوي (شخصيته تشبه بارنز) على إعادة التواصل بعد أربعين عاما من قصة حبهما الأولى في الجامعة.

يروي بارنز قصة حب في ستينيات القرن الماضي وتداعياتها بعد عقود. وهي فكرة واعدة وإن كانت مستوحاة من أعمال أخرى، إذ تشبه حبكة روايته (إحساس بالنهاية)، التي فازت بجائزة بوكر عام 2011.

وهذه المرة لا يشعر بارنز بأي التزام بسرد قصة مباشرة. بدلا من ذلك يملأ الصفحات الثلاث والعشرين الأولى من (رحيل) بتأمل متشعب حول طبيعة الذاكرة، وتحديدا الذكريات الشخصية التي تداهم المرء دون سابق إنذار. وبارنز، المولع بالثقافة الفرنسية، يستشهد، بطبيعة الحال، بمارسيل بروست، الذي غمرته ذكريات طفولته.

يبدأ الفصل الثاني بمشهد جديد في جامعة أوكسفورد خلال الفترة من 1964 إلى 1968، عندما كان طالبا فيها. وبارنز مسلٍّ في وصفه لأيام شبابه وعادات ذلك الزمان. ونرى الطالب الجامعي بارنز يتخبط، ويفشل في التقرب من أي من النساء اللواتي يعجبنه، لكن كانت لديه صديقة تدعى جين. وبينما كان يجلس معها في مقهى بسوق أوكسفورد لمح بارنز صديقا آخر، ستيفن، يمر. عرّف بارنز الإثنين على بعضهما، ونشأت بينهما علاقة حميمة.

وخلال أسابيعهما الأخيرة في أوكسفورد، وهما يواجهان الحياة بعد التخرج، أعلن ستيفن وجين لبارنز، كلّ على حدة "أخشى أن الأمور وصلت إلى نقطة حاسمة، إما أن نتزوج أو ننفصل". وعندما اختارا الرحيل رغم إلحاحه عليهما بالبقاء، غابا عن حياته لأكثر من أربعين عاما.

وعندما نلتقي بارنز لاحقا نجده مستلقيا على سرير المستشفى، مصابا بسرطان الدم. ويروي بإسهاب كيف يشعر، وهو يدخل هذه المرحلة الجديدة من حياته، مجبرا على تناول حبوب العلاج الكيميائي يوميا، متأملا في فنائه كما لم يفعل من قبل.

لم تتزوج جين قط، أما ستيفن، المتقاعد بعد مسيرة مهنية في إدارة الفنون، فهو مطلق عندما يلتقي هو وبارنز مجددا، بناء على طلب ستيفن، في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية. وخلال تناول مشروب في فندق بلندن يطلب ستيفن المساعدة في لم شمله مع جين. هل سيعيد بارنز تمثيل المشهد الذي جمعهما أول مرة؟ عندما يستجيب بارنز ويدعو جين لتناول الغداء في أوكسفورد يشعر القارىء بأنه يغامر بالدخول إلى عالم الخيال. يتلقى ستيفن رسالة نصية من بارنز، ويصادف وجوده على الطاولة في لحظة مناسبة، وجين – بعد أن اتهمت الروائي بعدم قدرته على مقاومة التلاعب بشخصيتين – تبدو سعيدة برؤية حبيبها السابق مرة أخرى. هذا اللقاء الرومانسي المعاد صياغته أنيق للغاية، ومروي ببراعة، وهو بالضبط ما كان بارنز يدعي أنه الموضوع الرئيسي في رواية (رحيل).

في رواياته السابقة يمنح بارنز هوية خيالية، أما في الرواية الجديدة فيخاطبنا الكاتب مباشرة، بعقل متوقد يستكشف تجارب مألوفة لكنها جوهرية – كيف يعمل الدماغ، وماذا يحدث مع تقدمنا في العمر - ويتجاهل الكاتب الرومانسية قائلا: "إذا فشل الحبيبان في إسعاد بعضهما فلنقلب الصفحة". لكن لا ينبغي، أبدا، تجاهل كيفية عمل الحب (أو عدم عمله) في كتبه. وكما قال فيليب لاركين (أحد شعراء بارنز المفضلين) فإن الحب هو "العنصر الذي ينتشر في حياة الآخرين كشجرة / ويؤثر فيها بطريقة ما".

وعندما يغيب الحب أو يقاطَع أو يضل، يبلغ بارنز ذروة إبداعه. يشكل ألم الفراق عُشر رواية (ببغاء فلوبير) – 1984 ، لكنه مخبأ تحت التسعة أعشار الأخرى. وتبدو الرواية، أحيانا، كمقال سيرة ذاتية لشخص غريب الأطوار، وأحيانا أخرى كملخص لأمور تثير استياء القارىء. ومع ذلك يدرك القارىء، بشكل غير مباشر، أن الراوي، جيفري بريثويت، يغرق نفسه في هوسه الأدبي ليشتت انتباهه (وانتباهنا) عن مأساة وفاة زوجته.

ويكسر الراوي في (رحيل) الحاجز الرابع في كثير من الأحيان ليخاطب القارىء، ويناقش فعل الكتابة، ويتأمل في طبيعة الذاكرة. وينقسم السرد إلى خمسة أجزاء، وينتقل بين قصص حميمة وتأملات فلسفية، تشمل مناقشات حول أفلام إنغمار بيرغمان، وطبيعة الشيخوخة. ويتميز العمل بجمالية أخّاذة وعقلانية، رافضا استخدام المواضيع العاطفية (الحزن، المرض) لإضفاء طابع عاطفي مبتذل أو سلوان سهل. وباعتبارها رواية أخيرة تظهر نضجا رصينا، مع التركيز على "القدرة على التأقلم" وتقبّل نهاية الحياة، وتوصف بأنها "أغنية وداع للذكاء والرقة".

وإلى جانب الرواية والمذكرات يشكل عنصر ثالث في كتاب (رحيل) ما يشبه الفلسفة، إذ يتأمل بارنز في وظائف الذاكرة غير الموثوقة، وبناء الذات، وحدود الاستقلالية. ويتكرر ظهور بروست – "أدركت أن بروست حاضر بقوة في الكتاب". كما يخصص بارنز وقتا لفرجينيا وولف، وشارل بودلير، وثيوفيل غوتييه، وغوستاف فلوبير.  

ومنذ رحيل زوجته – الوكيلة الأدبية بات كافانا – عام 2008 شغل موضوع النهايات حيزا كبيرا من تفكير جوليان بارنز. فقد نشر كتاب (لا شيء يدعو للخوف) – 2008، وهو مذكرات عن فقدان والديه، وفاز بجائزة بوكر عن روايته (إحساس بالنهاية) – 2011، واستكشف حزنه على وفاة كافانا في مقال نشره في كتاب (مستويات الحياة) – 2013، والآن، في الشهر نفسه الذي يصادف عيد ميلاد بارنز الثمانين، يصدر كتابه (رحيل)، الذي لم يلق، في البداية، شأن سابقه (إليزابيث فينتش) – 2022، رواجا كبيرا. ولكنه يظهر بارنز وهو يواجه المستقبل، إذ يشير العنوان إلى فقدان الأحبة، وتدهور صحته، واقترابه، هو نفسه، من الرحيل عن هذا العالم.

في الصفحة التاسعة يقول الراوي وهو روائي يدعى جوليان بارنز: "سيكون هذا كتابي الأخير". هل نأخذ هذا الكلام على محمل الجد؟ قد يزيد إعلان الكاتب أن كتابه هو الأخير من احتمالية حصوله على مراجعات إيجابية. فقد تضمنت مجموعة قصص سلمان رشدي الأخيرة (الساعة الحادية عشرة) تلميحات إلى أنها قد تكون آخر أعماله المنشورة، ولاقت استحسان النقاد الذين أشادوا بإنجازاته. هل كان كتاب مارتن أميس (القصة الداخلية) – 2020 سيحظى باستقبال أكثر إيجابية لو علمنا أنه سيكون آخر أعماله؟ إن فيض المشاعر عند رحيل أميس، الذي يظهر في (رحيل)، حيث يقتبس بارنز من (رسالة وداع) أرسلها إليه صديقه القديم، يوحي بأن هذا الاحتمال وارد.

بارنز كاتب واعٍ لذاته، كما يقر بذلك عندما تخبر جين الراوي انها "لا تحب هذا النوع الهجين من الكتابة الذي تقدمه"، فيجيبها: "لا يزعجني عدم إعجابك بكتبي، لكنك مخطئة إن ظننت أنني لا أعرف تماما ما أريد كتابته".

ولكن كما أننا لا نعرف إن كان ستيفن وجين شخصين حقيقيين، لا يمكننا الجزم بأن "جوليان بارنز"، الذي يروي قصتهما، هو نفسه الشخص المذكور اسمه على غلاف الكتاب. بعض اللحظات، مثل غناء ضيوف حفل الزفاف أغنية (لأنه رجل طيب) تكريما لجهود بارنز في التوفيق بين العروسين، مطولة لأغراض كوميدية. والحوار أقرب إلى السرد منه إلى الكلام الواقعي، ويثير تساؤلات حول واقعية الرواية، حيث تحذر جين بارنز قائلة: "لا تكن ساخرا. هذا ليس سيناريو من نسج خيالك".

وعلى غرار رواية (ببغاء فلوبير) تستكشف رواية (رحيل) "العلاقة بين الحياة والأدب، وهي زاخرة باقتباسات من أدباء فرنسيين بينهم فلوبير. كان من الممكن أن يكون مزج الواقع بالخيال مربكا، لكن بارنز يدرك تماما ما يفعله، وسيطرته على السرد تجعله مؤثرا.

يتأمل بارنز في شخصيتي جين وستيفن قائلا: "لقد كتبت عن الحب مرات عديدة في رواياتي، وقليل من شخصياتي كانت نهايتها سعيدة". إذا كانت هذه آخر رواياته فقد منح مسيرته الأدبية خاتمة مفعمة بالبهجة.  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صحيفة (الصباح) – 18 أيار 2026 عرض أقل

 
   
 



 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced