رواية ليلى سليماني الجديدة .. (سآخذ النار معي) ازدواجية الحرية واكتشاف الذات
نشر بواسطة: mod1
الأحد 24-05-2026
 
   
رضا الظاهر

تختتم الروائية الفرنسية المغربية ليلى سليماني، الحائزة على جائزة غونكور عام 2016، ثلاثيتها السيرية (بلد الآخرين)، المستوحاة من تاريخ عائلتها في المغرب وفرنسا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بروايتها الجديدة الموسومة (سآخذ النار معي)، المكتوبة بالفرنسية، والصادرة في نيسان 2026 عن دار (فابر)، بترجمة إنجليزية قام بها المترجم الضليع سام تايلور (الذي ترجم أكثر من ستين كتابا من الفرنسية الى الإنجليزية، بما في ذلك جميع أعمال ليلى سليماني الروائية).  

وتروي هذه الملحمة الشاملة قصة عائلة على مدى ثلاثة أجيال، متتبعة تطور المغرب منذ أربعينيات القرن العشرين وحتى وقتنا الراهن.

يحمل الجزء الأول (بلد الآخرين) - 2020 اسم الثلاثية، ويروي قصة ماتيلدا، التي تنتقل من الألزاس إلى المغرب مع زوجها أمين بلحاج، الجندي الذي ورث مزرعة. ويتابع الجزء الثاني (شاهدنا نرقص) – 2023 حياة عائلة بلحاج وابنتهم، طالبة الطب عائشة، في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، مع تشكل ملامح المغرب ما بعد الكولونيالية. أما هذا الجزء الثالث، الذي يبدأ في ثمانينيات القرن الماضي، فيطلعنا على حياة عائشة وزوجها، الخبير الاقتصادي، مهدي داود، وابنتيهما، ميا، المصرفية التي تحولت إلى كاتبة، وإيناس، الطبيبة. وشأن والدتهما عائشة وجدّتهما ماتيلدا، تسعى الشقيقتان، المكممتان بالحقائق السياسية والاجتماعية التي تحيط بحياتهما وتحاصرهما، إلى قدر من الحرية والاستقلالية في مجتمع تهيمن عليه النزعة البطرياركية، ويتسم بالانقسام الطبقي الحاد. وهذه الرواية هي، من زاوية معينة، تصوير لرحلة بطلتها، ميا، بين الرباط وباريس، وهي تخوض معركتها من أجل الحرية واكتشاف الذات.

تتوق ميا داود إلى تحقيق ذاتها. فقد نشأت في المغرب، المحافظ اجتماعيا، وقد أشعل خيالَها سحر والدها المصرفي، وما يتمتع به من كاريزما ومثالية سياسية، ووالدتها الطبيبة، التي كانت مثالا يحتذى به في الحركة النسوية والوعي الاجتماعي، فضلا عن الآفاق الرحبة التي أوحى بها كتابها المفضلون. وتعلمت ميا السعي وراء ما تريد، حتى لو تطلب الأمر خوض غمار الصعاب. وهي عازمة على أن تكون صادقة مع هويتها كامرأة، تنطلق في رحلة بحث عن مكانها في العالم من الرباط إلى باريس ولندن، على خلفية أحداث مفصلية في التاريخ، مثل سقوط جدار برلين، وهجمات 11 سبتمبر، مسترشدة بإحساس فطري بالعدالة، وحس نابض بالحياة.

وتجيد سليماني، بشكل خاص، تصوير ازدواجية الحرية: باريس ليست مجرد تحرر، والدار البيضاء ليست مجرد سجن. وما يبقى في النهاية ليس حلا، بل استمرارا: ابنة تحمل جذوة العائلة التي ماتزال نابضة بالحياة.

ومن بليغ الدلالة أن الكاتبة تصدّر روايتها باقتباس من جان كوكتو:

"سؤال: إذا كان بيتك يحترق فما الذي ستأخذه معك؟

جواب: سآخذ النار معي".

وربما تعد هذه الرواية أكثر روايات الكاتبة شخصية، إذ تظهر سليماني في صورة بديلة بشخصية ميا، التي يؤطّر سردها بضمير المتكلم الأحداث، ويُسمَع صوتها في الفصلين الأول والأخير، بالإضافة إلى فاصل قصير. وتستقي الكاتبة سردها للأحداث من تجربتها الشخصية لاستكشاف العلاقة المعقدة بين ميا ووالدها، الذي يدير شركة غير معروفة متخصصة في العقارات والسياحة. وكان والد الكاتبة، عثمان سليماني، قد شغل منصب وزير الاقتصاد في المغرب من عام 1977 إلى عام 1979، ومديرا لأحد البنوك. ومثله سُجن مهدي، ظلما، بتهمة اختلاس أموال عامة.

وباعتبارها الشخصية الأقرب شبها بالمؤلفة تعد ميا الصوت السردي الرئيسي في هذه الرواية، وربما ضمير الثلاثية بأكملها. وفي "فاصل" تدور أحداثه عام 2022 تمنحها رحلتها القصيرة إلى المغرب وزيارتها لما كان يعرف سابقا بمزرعة العائلة، بعد وفاة جدّيها بزمن طويل، فرصة حزينة للتأمل في إخفاقات وآمال ومصائر أفراد العائلة الذين سبقوها، وتركوا آثارهم عليها.

تقيم عائلة داود في الرباط وهم من ذوي الآراء الليبرالية، الذين يعيشون نمط حياة المثقفين المغتربين. تحمل ميا وإيناس أسماء فرنسية، ولا تتحدثان العربية إلّا قليلا. أما أمهما، عائشة، فتعمل طبيبة نسائية، وتدافع عن حقوق النساء. وتبدو العائلة وكأنها تعيش في عزلة، لكن الاضطرابات الداخلية ومشاعر الاغتراب العميقة تشكل المشهد العاطفي الأوسع للرواية. وفي جوهرها هذه قصة عن معنى أن يكون المرء "غريبا". وتسعى كل شخصية إلى نوع من الهروب لكي تصبح على طبيعتها. وفي عملية "الرحيل" يكتشفون أن الحياة، على عكس ما قاله ميلان كونديرا، "ليست في مكان آخر".

وتصور الرواية تجارب الأجيال الأكبر سنا من عائلة بلحاج، مع تحولات درامية تعكس تغير الزمن والتطور البطيء للأنماط الاجتماعية والثقافية. فسليم، شقيق عائشة الأصغر، يعيش، الآن، حياة أشبه بحياة الفنانين البوهيميين في نيويورك، وهو نمط حياة لا يفهمه والداه، ماتيلدا وأمين، اللذان مايزالان يديران مزرعة في موطنهما، عندما يزورانه. ويحاول أمين، عبثا، إقناع ابنه بالعودة إلى المغرب لتولي إدارة المزرعة. وفي غضون ذلك، وفي لحظة تحمل طابع الكوميديا السوداء، مايزالان ماتيلدا وأمين خائفين من مجرد التلميح إلى انتقاد السلطة.

ولعل من بين السمات الجمالية لرواية (سآخذ النار معي) أن الكاتبة ليلى سليماني تجسد نظرة جمالية عميقة، مفعمة بالمشاعر، تمزج بين الخيال الحميم الذي يشبه السيرة الذاتية، والتحليل التاريخي الشامل. ولا ريب أن العنوان، المأخوذ من كوكتو، يوحي باحتضان "النار" بدلا من الهروب السلبي، مما يكشف عن سعي الشخصيات نحو الحرية.

وتعد هذه الرواية استكشافا للصدمة السايكولوجية، إذ تصور شخصيات مثقلة بذكريات موروثة، وهوية مشتتة نتيجة المنفى. ويتنقل الأسلوب بين أجواء الدار البيضاء المعقدة اجتماعيا، وشوارع باريس الباردة، مجسدا معاناة الصراع بين ثقافتين. ويضفي موضوع الاغتراب، حيث معاناة الشخصيات في أوطانها وفي بلدانها المضيفة، جوا من الكآبة على السرد، حيث نرى، في خاتمة المطاف، التأكيد على الحياة في ملحمة تتمحور حول صراع الهوية ضد التقاليد الجامدة.

لقد استُقبلت هذه الرواية، الجريئة والآسرة، استقبالا حافلا في الأوساط الأدبية والثقافية حال صدورها. ويلفت الانتباه أن صحيفة (نيويورك تايمز) تتوقع أن تثير الرواية اهتماما استثنائيا في عام 2026. وقال إياد أختار، الروائي الأميركي الباكستاني الأصل، الحائز على جائزة (بوليتزر) عن روايتيه (مراثي الوطن) و(الإشراق): "جعلت هذه الرواية حماسي متقدا. فرواية ليلى سليماني، المفعمة بالحيوية والجرأة، تصور مرحلة النضج الاجتماعية والجنسية والفنية، ببراعة وشغف نادرين. لقد ألهمتني شجاعة سليماني وحساسيتها وقدرتها على الإبداع. إنها رواية آسرة، ولن أستغرب إن وجدت قراءً لأجيال قادمة". ورأى ربيع علم الدين، الروائي الأميركي اللبناني، الحائز على جائزة (الكتاب الوطني) عن رواية (القصة الحقيقية لراجا الساذج ووالدته)، أن "ليلى سليماني من أفضل كتابنا، روائية بارعة، وأسلوبها السردي جذاب، وأنا أقرأ بشغف كل ما تكتبه". أما الروائي المصري علاء الأسواني، مؤلف (عمارة يعقوبيان) فقال "لقد نجحت سليماني في خلق عالم لن ننساه أبدا، وسيظل مصدر إلهام لنا دائما".

وليلى سليماني، المولودة بالرباط في المغرب عام 1981، هي مؤلفة كتاب (المربية المثالية)، الذي اختارته (نيويورك تايمز) ضمن أفضل عشرة كتب لعام 2018، والذي نالت عنه لقب أول امرأة مغربية تفوز بجائزة (غونكور) ، وهي أرفع جائزة أدبية في فرنسا. ومن مؤلفاتها الأخرى (أديل) و(الجنس والأكاذيب)، وكتابا (بلد الآخرين) و(شاهدنا نرقص) – اللذان أشرنا اليهما في سياق مقالنا. وشغلت سليماني منصب الممثلة الشخصية للرئيس الفرنسي ماكرون لترويج اللغة والثقافة الفرنسية، وترأست لجنة تحكيم جائزة (بوكر) الدولية لعام 2013. وكانت سليماني قد احتلت المرتبة الثانية في قائمة (فانتي فير) الفرنسية السنوية لأكثر 50 شخصية فرنسية تأثيرا في العالم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صحيفة (الصباح) – 24 أيار 2026

 
   
 



 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced