افتتان حائزة على "بوليتزر" بغرامشي
نشر بواسطة: mod1
الجمعة 05-06-2026
 
   
رضا الظاهر

جومبا لاهيري وجماليات الانتقال بين اللغات

عندما رفضت جومبا لاهيري (25 أيلول 2024)، الحائزة على جائزة "بوليتزر" عن روايتها (ترجمان الأوجاع)، الصادرة عام 1999، قبول جائزة من متحف نوغوتشي في مدينة نيويورك، احتجاجاً على قيام المتحف بطرد ثلاثة موظفين بسبب ارتدائهم الكوفية الفلسطينية، كان ذلك موقفاً ساطعاً يجسد تمسك المبدع بقيمه الجمالية والإنسانية، وإدانته للظلم، ودفاعه عن حق الناس في الحرية.

فمن هي جومبا لاهيري ؟ روائية وكاتبة وأستاذة جامعية وكاتبة سيناريو أميركية (هندية الأصل)، ولدت في لندن عام 1967، ونشأت في الولايات المتحدة لأبوين بنغاليين مهاجرين. وقد صاغت نشأتها هذه الكثير من صوتها الأدبي، وتأملاتها في الصراع بين الثقافات، والانتماء، والبحث عن الهوية.

وأعمال جومبا لاهيري، التي يعدّها النقاد واحدة من ألمع الكاتبات في الأدب المعاصر، هي درس عميق في السرد الهادىء. وهي لا تعتمد على الصدمة أو الدراما، وإنما تأسرنا، بدلا من ذلك، بالحقائق العاطفية، واللغة الشاعرية والفهم العميق للحالة الإنسانية. وسواء كان المرء منجذباً إلى قصصها المبكرة عن العائلات الهندية – الأميركية، أو تأملاتها "الإيطالية" حول العزلة، فإن كتاباتها تبقى معه لفترة طويلة بعد أن يطوي الصفحة الأخيرة.

وتصور لاهيري التحولات الاجتماعية والحركات السياسية وموضوعات الاغتراب، والعواقب الثقافية والعائلية للهجرة. ففي قصتها (حارسة البوابة الحقيقية) نجد شخصية بوري ما التي تعاني من الاغتراب والاستغلال الطبقي. وعلى نحو مماثل تواجه شخصيات روايتها (السَميّ) مشاعر العزلة بسبب حالة الهجرة. ويمكن القول إن هذا يتوافق مع موضوعات المفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي حول الهيمنة والآيديولوجيا، حيث الطبقة الاجتماعية المهيمنة تمسك بالسلطة. وفي رواية (الأرض المنخفضة) نجد تأملات لاهيري في الحركة الناكسالية (الماوية)، عبر تصوير عواقب الصراع الطبقي وتداعيات التمرد على حياة العائلة. وفي حين ركزت لاهيري بشكل أكبر على الجوانب اللغوية والأدبية لعمل غرامشي في كتابها (مترجمة نفسي وغيري)، يمكن تفسير أعمالها من خلال مفاهيم غرامشي النقدية حول السلطة والهيمنة الاجتماعية.

وفي مقالتنا هذه سنقدم نظرة نقدية لأهم كتبها، ونفصّل، بعض الشيء، في كتابها الموسوم (مترجمة نفسي وغيري)، الذي أضاءت فيه علاقتها بغرامشي.

ترجمان الأوجاع (1999): (مترجمة إلى العربية)، وهي المجموعة القصصية الأولى التي نالت جائزة بوليتزر. وتستكشف القصص حياة المهاجرين الهنود الذين يواجهون الاضطراب الثقافي والعزلة العاطفية. وتضم المجموعة تسع قصص تصور موضوعات الهوية، وفيها تلتقط لاهيري صراعات الحياة اليومية. وقد رسخت هذه المجموعة مكانتها كصوت أدبي بارز، وماتزال من أشهر أعمالها وأكثرها خلوداً.

السَمِيّ (2003): (مترجمة إلى العربية)، وفيها تتناول موضوعات مثل الهوية والهجرة والصراع الثقافي. وتدور أحداثها حول غوغول غانغولي، وهو أميركي من الجيل الأول وُلد لأبوين مهاجرين من البنغال. ويجسد تصوير لاهيري لرحلة غوفول تحدي بحث المرء عن مكانه في العالم. وتعتبر (السَمِيّ)، بأسلوبها الغنائي ونزعتها العاطفية، انعكاساً عميقاً لموضوعات النسب والانتماء ومعنى اسم الشخص نفسه.

أرض غير مألوفة (2008): وتستكشف هذه المجموعة القصصية موضوعات الهوية والعائلة والفجوة بين الأجيال في العوائل الهندية – الأميركية. وتغوص لاهيري في أعماق شخصياتها بأسلوب تأملي، مجسدة التوتر بين التقليد والحداثة.

جنة – جحيم (مترجمة إلى العربية): وهي قصة ضمن مجموعة (أرض غير مألوفة)، تُروى من خلال عيون فتاة أميركية من أصل بنغالي، وتتناول قضايا التفكك الثقافي، والحب من طرف واحد، والصراع بين الأجيال. وفي هذه القصة يجسد أسلوب لاهيري تعقيد هوية المهاجرين، ومعاناتهم الصامتة، مما يجعل قصة (جنة – جحيم) عملاً مؤثراً وتأملياً يتردد صداه لدى كثير من القراء.  

الأرض المنخفضة (2013): (مترجمة إلى العربية)، وتتناول هذه الرواية، التي حظيت بإشادة النقاد، قضايا العائلة والاضطرابات السياسية والهوية الشخصية. وتدور أحداثها في كلكتا ورود آيلاند، وتروي قصة شقيقين تتباين حياتهما بعد انضمام أحدهما إلى حركة سياسية راديكالية. وتستكشف الرواية العواقب بعيدة المدى للقرارات والأسرار المتوارثة عبر الأجيال. وتتميز هذه الرواية، التي تم ترشيحها لجائزة مان بوكر والجائزة الوطنية للكتاب، بأسلوب لاهيري الغنائي. وفي سياقها يمكننا تحليل الصراعات الآيديولوجية للحركة الناكسالية، والآليات الاجتماعية الأوسع عبر منظورات غرامشي، حيث يساعد مفهوم الهيمنة لدى غرامشي على فهم الكيفية التي تصوغ بها الآيديولوجيا المهيمنة المجتمع والثقافة.  

بعبارة أخرى (2016): (مترجمة إلى العربية)، وهو عمل تأملي عميق يستكشف رحلة لاهيري الشخصية في تعلم اللغة الإيطالية. وجرى تأليف الكتاب، في الغالب، باللغة الإيطالية، وترجم الى الإنجليزية. وهو ينطلق من موضوعاتها المألوفة في تأمل الهوية والمنفى والتحول اللغوي. ومن خلال مقالاتها تستكشف لاهيري الكيفية التي تشكل بها اللغة إدراك الذات والابداع.

حيث أجد نفسي (2018): (مترجمة إلى العربية)، وهي رواية تأملية وشاعرية كتبت، في الأصل، باللغة الإيطالية ((Dove mi trove، ثم ترجمتها المؤلفة نفسها إلى اللغة الإنجليزية بعنوان (whereabouts).

وتتناول هذه الرواية قصة امرأة مجهولة الاسم تتأمل حياتها المنعزلة في مدينة إيطالية، وتستكشف العلاقة المعقدة التي تربط المرأة بعزلتها. ويتألف الكتاب من فصول قصيرة ومتميزة يركز كل منها على لحظة أو مكان محدد، مما يساهم في نوعيته الشبيهة بالحلم والاستبطان. وتعكس الرواية، أيضاً، رحلة لاهيري الفنية والشخصية في التعلق باللغة الإيطالية، وإيجاد شكل جديد من الحرية، وطريقة مختلفة لتجربة العالم عبر منظورات لغوية وثقافية جديدة.

تأملات في غرامشي

كتابها الهام (مترجمة نفسي وغيري)، الذي كتبته بعد انغماسها في اللغة الإيطالية، هو مجموعة مقالات تستكشف فيها لاهوري الفروق الدقيقة بين اللغة والهوية والترجمة. وتتأمل لاهيري، في هذه المقالات، دورها ككاتبة ومترجمة، وعملية ترجمة أعمالها من الإيطالية إلى الإنجليزية. وهي تدرس الترجمة باعتبارها فعلاً عميقاً للتحول اللغوي والشخصي، يتجاوز الأفكار التبسيطية للنص الأصلي مقابل النص المترجم. وتبحث لاهيري في هذا الكتاب جماليات الانتقال بين اللغات، مقدمة نظرة ثاقبة في عمليتها الإبداعية ثنائية اللغة. ويتجلى فيه تأثير غرامشي من خلال تحليلها لكيفية قدرة الترجمة على خلق إمكانيات جديدة للتعبير عن الذات، وتحدي الحدود التقليدية للهوية والثقافة.

وتكشف مراجعة هذا الكتاب عن جوانب هامة من علاقتها العميقة مع غرامشي، الذي نظر إلى الترجمة باعتبارها جانباً أساسياً من حياته السياسية والعاطفية. ويكشف تأمل لاهيري العميق في غرامشي كيف أصبحت الترجمة، كما هو الحال عند المفكر الإيطالي، بمثابة المنظور الأساسي الذي تفهم العالم من خلاله.

وتحلل لاهوري أعمال غرامشي عبر منظور الترجمة لتستكشف موضوعات الهوية والثقافة. وتستعين بتجاربها الشخصية مع اللغة والترجمة الذاتية لربط الصراعات الفكرية التي خاضها غرامشي باعتباره "مترجماً" للتجربة بعملية الكتابة والترجمة الخاصة بها بين الإيطالية والإنجليزية.

وتصور لاهيري كتابة غرامشي كفعل ترجمة، آخذة بالحسبان سجنه والحاجة إلى نقل أفكاره وتجاربه من داخل بيئة مقيدة. وهي تضيء كيف أن السجن أرغم غرامشي على ترجمة حياته الخاصة، وربطها بالتحولات الثقافية والفلسفية التي تحدث في الترجمة. وتربط لاهيري صراع غرامشي مع الهوية اللغوية والثقافية بتحدياتها الخاصة مع الانتماء، واستخدامها للغة الإيطالية لخلق شعور جديد بالذات والحرية.

وتتجلى نقطة الجذب الحقيقية في كتاب لاهوري في تأمل عميق حول غرامشي، حيث تكتب عن هذا المفكر واللغوي والسياسي الماركسي الذي رحل عام 1937 عن عمر يناهز ستة وأربعين عاماً، بعد أكثر من عقد من الزمن في السجن. وكانت الترجمة في وجوهها وتطبيقاتها المتعددة جزءا لا يتجزأ من حياة غرامشي العاطفية وصلاته الحميمة، وركيزة أساسية لفكره السياسي، وانخراطه في عمله كمؤسس للحزب الشيوعي الإيطالي.

وفي قراءتها الدقيقة لكتابيه (رسائل من السجن) و(دفاتر السجن) تستكشف لاهيري مظاهر الترجمة المباشرة وغير المباشرة في حياة غرامشي على المستويات اللغوية والثقافية والتاريخية والفلسفية والسياسية والعاطفية.

إن ما يصبح واضحاً في تأملاتها حول هذا الإنسان "المتعدد الوجوه"، وكذلك في المقالات التسعة في كتابها، هو أن الترجمة أصبحت، في صدى لتجربة غرامشي، هي المنظور الأساسي لرؤيتها إلى الحياة والظواهر.

كما أن هذه المقالات تقدم لنا رؤية لاهيري كناقدة أدبية تستجيب لأعمال مترجمين آخرين. وتتجلى جهود لاهيري الاستثنائية في قراءة اللغة الإيطالية في الفصل الذي كرسته لغرامشي في كتابها. وتحلل لاهيري رسائل غرامشي المتنوعة إلى زوجته وأبنائه وشقيقة زوجته لاستكشاف مساعيه المستمرة لترجمة أعمال من الألمانية إلى الروسية. وتقارن بين حياة غرامشي في السجن وحياتها خلال فترة جائحة كورونا.

ولم تولِ لاهيري نظرية غرامشي السياسية الكثير من الاهتمام، بل ركزت على السمات الأسلوبية لنصوصه، لاسيما استخدامه الواعي للغة. وتصف غرامشي بأنه "أيقونة الترجمة". وتشير إلى أن دراسة اللغات الروسية والألمانية واليونانية واللاتينية والفرنسية والإنجليزية والسنسكريتية شكلت نشاطه الرئيسي أثناء فترة سجنه. ولا يكتفي غرامشي، الذي كان متزوجاً من مترجمة، بالإشارة إلى الترجمة كثيراً، بل إنه، وفقاً للاهيري "يقرأ كل شيء مترجم، سواء قصد ترجمته أم لم يقصد". وهي تشيد بكتاباته ليس لمبادئها السياسية التي تتجلى في تعدد طبقاتها، مؤكدة أن ما يجعل رسائله عملاً أدبياً عظيماً هو عمق أسلوبه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الطريق الثقافي – الرسالة الاخبارية 7 – 26 أيار 2026

 
   
 



 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced