استعادة أصوات المنسيّات وتحدي البنى البطرياركية
في رواية (حواء تلتقي دانتي)، الصادرة، مؤخرا، عن (فانغارد برس)، تنطلق الروائية (والشاعرة والفنانة) البريطانية (الألمانية الأصل) غريتا سكاي في رحلة آسرة عبر الزمن، ناسجة حياة وإرث نساء استثنائيات من العصور القديمة حتى عصر النهضة، معظمهن من منطقة الشرق الأوسط، مهد الحضارة الانسانية. وبوحي من تأملات فرجينيا وولف حول الصمت التاريخي للمرأة تعيد سايكس تخيّل قصص نساء منسيات أُسكِتت أصواتهن، مستخدمة رحلة بطلة الرواية، إيفا (حواء)، لمنح هؤلاء النساء منبرا للتواصل مع القراء المعاصرين. كما تدمج الرواية ذكريات شخصية من حياة الكاتبة لتقدم عملا روائيا فريدا.
ومن خلال عدسة حواء ورحلة دانتي أليغيري الروحية تغوص سايكس في نسيج من الإبداع، حيث هذه الرواية لا تكشف عن الأصوات المنسيّة للنساء اللواتي ساهمن في تشكيل الفن والأدب حسب، بل وتتحدى، أيضا، البنى البطرياركية التي سعت إلى تهميش إسهاماتهن. ورواية (حواء تلتقي دانتي) استكشاف عميق للتقاطعات بين الأساطير والتاريخ والجندر، ورحلة اكتشاف للبطلة التي تستلهم من هؤلاء النساء السعي وراء الأمل والحب، وتقدم لنا إعادة تصور حية ومستنيرة لأدوار المرأة عبر التاريخ وتأثيرها على حاضرنا ومستقبلنا.
وتضفي سايكس على الرواية تفاصيل حية من طفولتها ومراهقتها، لا سيما تلك التي عاشتها في ألمانيا ما بعد الحرب، لتغني الرواية بعمقها العاطفي.
ولعل من بين السمات الجمالية لهذه الرواية أنها تمزج بين مشاهد شعرية حالمة، وواقعية سيرية صادقة لاستكشاف نضالات المرأة التاريخية والفكرية والإبداعية. وتستخدم الرواية بنية "الرحلة الروحية"، مستندة، في جزء كبير من عملها، إلى تجارب الكاتبة الشخصية، بدءا من طفولتها في بلد مدمر بعد الحرب، وصولا إلى حياتها كامرأة راشدة في لندن.
وعندما نقارب بنية الرواية نلاحظ أن بعض جوانبها تستحضر سمات الروايات الكلاسيكية، مثل استخدام قصص متعددة، والتداخل الوثيق بين الواقع والخيال، والتنقل بين أزمنة مختلفة، مما يجعلها قريبة، بمعنى ما، من الخيال العلمي. وتقول سايكس إنها "أرادت أن تتسم الرواية بخصائص الروايات الأدبية، مع التركيز على العمق، والحياة الداخلية، والدوافع، والتأملات الفلسفية واللاهوتية، باستخدام الاستعارات والصور والرموز".
وفي الرواية يظهر دانتي كمرشد رئيسي، وعرّاف، وتجسيد بشري لروح الشعر، وهو يتجلى أمام بطلة الرواية كرؤيا. وغريتا سايكس، نفسها، شاعرة بارعة، وتعتبر الشعر تعبيرا حيويا عن الدافع الإبداعي الانساني، إلى جانب الرسم، وهو وسيلة أخرى للتعبير الإبداعي ذات أهمية بالغة بالنسبة لها.
ويتناول هذا العمل الروائي الجديد موضوع المرأة ومكانتها في التاريخ. ومن الحقائق المحزنة، التي لا جدال فيها، أنه كلما تعمقنا في قراءة صفحات التاريخ قلّ عدد النساء اللواتي نكتشفهن، وقلّت أصواتهن المسموعة. ونعني بذلك النساء الحقيقيات، المعروفات، اللواتي لهن أسماء وسير ذاتية، نساء بشخصيات مميزة وأصوات فريدة وتاريخ حافل، تم توثيقه وتخليده لمشاركتهن في تشكيل مجتمعهن، ومساهمتهن الجوهرية في نمو الحضارة الانسانية، أو ما يعرف بـ"حركة التقدم"، ليس فقط كأمهات ومربيات، بل كعالمات، وفنانات، وقائدات سياسيات. فلم تُمحَ النساء من سجلات التاريخ حسب، بل إن أنشطتهن لم تعتبر، في غالب الأحيان، جديرة بالتسجيل أصلا. وهذا ظلم كان نصيب عدد لا يحصى من النساء على مدى أجيال عديدة، كما واجهته كاتبات مثل فرجينيا وولف وعرضته في كتابها (غرفة خاصة بالمرء وحده)، حيث تصور مصير الكاتبات، وتتخيل كيف كان على النساء أن يكافحن من أجل البحث عن المعرفة والتعلم بأنفسهن.
ورواية (حواء تلتقي دانتي) هي الرواية الثالثة لغريتا سايكس ضمن رباعية روائية تنوى أن تكملها. وفيها تجمع بين اهتماماتها بتطور الحضارات القديمة وتاريخ المرأة وكتابة الشعر، حيث تتجسد هذه الاهتمامات في شخصية الشاعر الوطني الإيطالي دانتي.
تبدأ الرواية بوصف حي لمعاناة الولادة .. ولادة حياة جديدة في عالم مزقته الحرب، وكان ذلك في تشرين الأول من عام 1944: "سمتني أمي إيفا، كنت بداية جديدة، وأملا جديدا لها بأن الحرب ستنتهي قريبا".
ومع تطور أحداث الرواية نتعرف على مجموعة متباينة من نساء الأساطير والتاريخ والأديان القديمة، بدءا من بياتريس، التي كانت مصدر إلهام شعر دانتي، والتي تُفاجَأ إيفا بلقائها مع دانتي الذي يقول: "ظننت أننا بعيدون جغرافيا وزمنيا، لكننا قريبون قرب يدك".
وبعد بياتريس تلتقي إيفا، برفقة دانتي، العديد من النساء الأخريات: هيبوليتا، ملكة الأمازون، مريم المجدلية، ديدون ملكة قرطاج، الملكة السورية زنوبيا، الشهيدة المسيحية بلانينا، العالمة هيباتيا، الشهيدة المسيحية بيربيتوا، ملكة سبأ، الشاعرة سافو، الإمبراطورة البيزنطية تيودورا، القديسة إيثيلوريدا، الراهبة روزيتا من سكسونيا في العصور الوسطى، رئيسة دير هيلدغار فون بينغن البندكتية، الحاكمة العثمانية روكسيلانا، الملكة الرومانية تاناكيل، ورسامة عصر النهضة أرتيميسيا جنتيلسكي. إنها مجموعة رائعة من النساء، قد تكون أسماء بعضهن غير معروفة لنا كقراء. ولا ريب أن من بين أبرز إنجازات هذه الرواية إعادة إحياء هذه الشخصيات النسائية، وجعلها تتحدث، مباشرة، إلى القراء المعاصرين.
وبالنظر إلى أن تاريخ المرأة ظلّ، حتى وقت قريب، طي النسيان، فإنه إنجاز جريء أن تتمكن سايكس من تصوير هذا العدد الكبير من الملهمات لتسليط الضوء عليهن في هذه الرواية الفريدة. ومن بليغ الدلالة أن تشير سايكس إلى أنها أرادت أن يشعر قراؤها بالرضا والقوة والتحكم في حياتهم، قائلة إن "اضطهاد المرأة ما يزال قائما في عالمنا، وحاضرا في أذهان النساء والرجال على حد سواء. إنه صراع مديد وعميق".
ويمكن رؤية أن هذه الرواية تجسد بحث البطلة حواء عن إمكانية الأمل والحب، وتحقيق أحلامها، التي هي، في جوهرها، أحلام مشتركة لنا جميعا، وعي بمثابة رد منعش على السلبية والتشاؤم اللذين نصادفهما بكثرة في صفحات الأدب، والأهم من ذلك في الحياة من حولنا. والأمر ليس أن بإمكان المرء الهروب من كابوس الوجود عبر الأحلام فحسب، بل إن تجربة الحلم في اليقظة هي التي تمكننا من إدراك القوة الحقيقية للخيال، والغوص في أعماق أفكارنا الداخلية لندرك قدرتنا على تغيير ظروفنا على المستويين الشخصي والاجتماعي الأوسع. ولعل هذه هي الرسالة التي تحملها هذه الرواية الطموحة، التي تخبرنا أن خلاصنا، كجنس بشري، ممكن بفضل قوة الإبداع الانساني، وباختيار الحب والصداقة، بدلا من الشكوك وسوء الفهم والصرعات التي نشهدها وهي تدفع العالم نحو أزمة وجودية. إن هذه الرواية تعبر عن رؤية جريئة للأمل في هذه الأوقات العصيبة.
ولدت غريتا سايكس في هامبورغ بألمانيا عام 1944، لكنها انتقلت إلى لندن في أوائل العشرينيات من عمرها. درست الفن في جامعة لندن، وحصلت على درجة الدكتوراه في علم النفس التربوي من جامعة إيست لندن.
وكانت غريتا سايكس قد كتبت روايتين سابقتين. فقد صدرت روايتها الأولى الموسومة (تحت سماء متفحمة) عام 2015، وهي سرد سيري يصور حياة جدتها ووالدتها خلال ذروة جمهورية فايمار ونهايتها المأساوية مع بداية الحرب العالمية الثانية.
أما روايتها الثانية (هزيمة جلجامش) فقد صدرت عام 2020 (صدرت بطبعة جديدة بعنوان "إلهة الهلال الخصيب" عام 2025). ونظرا للآصرة الجلية لرواية (هزيمة جلجامش) مع رواية (حواء تلتقي دانتي)، نرى أنه من المفيد أن نلقي إضاءة وجيزة، في مقالنا هذا، على هذه الرواية.
بوسعنا القول إن رواية (هزيمة جلجامش) هي إعادة سرد نسوية لملحمة جلجامش، التي يعاد تخيّلها للتركيز على موضوعة الصراع بين سلطة الرجل والمرأة، خلال فترة الانتقال من النظام الأمومي إلى النظام البطرياركي، حيث حدثت الهزيمة التاريخية العالمية لجنس النساء.
والراوي في هذه الرواية، التي تدور أحداثها في عام 2450 قبل الميلاد، هي أنخيدوانا، الكاهنة العظمى لمدينة أوروك، وأول شاعرة معروفة في التاريخ. ويروي السرد قصة إنانا، إلهة الحب والحرب، التي أرسلتها جدتها، الإلهة عشتار، في رحلة لإنقاذ مكانة المرأة الرفيعة وامتيازاتها. وعند وصولها إلى مدينة كيش علمت إنانا بشهرة جلجامش الطاغية، والذي ترك سكان أوروك عاجزين، فتقوم، برفقة الكاهنة العظمى نين، من كيش، بوضع خطة للخلاص منه. وتنتهي المواجهة بتتويج إنانا ملكة على أوروك وإلهة، بينما يحرم جلجامش من الخلود الذي كان يسعى اليه.
وتعد غريتا سايكس أحدث المنضمّين إلى سلسلة طويلة من الأشخاص الذين ألهمتهم شخصيات ملحمة جلجامش، التي يؤكد مؤرخو الأدب الكلاسيكي أنها أثرت، من بين الكثير من الإبداعات الأدبية عبر التاريخ، في كل من الأوديسة والإلياذة لهوميروس.
وباختيارها النساء محورا لبحثها تسير سايكس على نهج الدراسات النسوية الحديثة التي تعتبر الملحمة دليلا على الانتقال من النظام الأمومي إلى مجتمع بطرياركي. وتعيد الرواية تخيل هذه الميثولوجيا القديمة من منظور نسوي.
(هزيمة جلجامش) رواية مدهشة يمكن أن تكون، أيضا، مدخلا متميزا إلى عالم الأدب الرافديني العريق، أقدم دليل باق على الابداع البشري.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صحيفة (الاتحاد الثقافي) – العدد 102 – أيار 2026