في كل عام يحتفل العالم باليوم العالمي للطفل تأكيداً على حق الأطفال في الحياة الآمنة والتعليم والرعاية الصحية والحماية من جميع أشكال العنف والاستغلال. إلا أن هذه المناسبة تدفعنا أيضاً إلى التوقف أمام واقع الطفولة في العراق، والتساؤل: هل ينعم أطفال العراق حقاً بالحقوق التي كفلتها لهم المواثيق الدولية والإنسانية؟
لقد عانى الطفل العراقي لعقود طويلة من آثار الحروب والعنف والفقر وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي. وبينما ينشغل العالم بتطوير برامج الرعاية والتعليم وحماية الطفولة، ما زال عدد كبير من أطفال العراق يواجهون تحديات يومية تتمثل في الفقر والتسرب من الدراسة وعمالة الأطفال والعنف الأسري وزواج القاصرات والاستغلال بأشكاله المختلفة.
إن الطفل ليس مجرد فرد صغير في المجتمع، بل هو مستقبل الوطن وأمله القادم. وعندما يُحرم الطفل من التعليم أو يتعرض للعنف أو يُجبر على تحمل مسؤوليات تفوق عمره، فإن المجتمع بأكمله يدفع ثمن ذلك في الحاضر والمستقبل.
ومن موقعنا كأطباء، فإننا ننظر إلى هذه القضايا من زاوية أخرى لا تقل أهمية عن الجوانب القانونية والاجتماعية. فالعنف ضد الأطفال لا يترك آثاراً جسدية فحسب، بل يمتد إلى الصحة النفسية والعصبية للطفل. لقد أثبتت الدراسات العلمية أن التعرض المستمر للخوف والعنف وسوء المعاملة يؤدي إلى اضطرابات في النمو النفسي والعصبي، ويزيد من احتمالات الإصابة بالقلق والاكتئاب واضطرابات السلوك وضعف التحصيل الدراسي، وقد تستمر هذه الآثار إلى مرحلة البلوغ.
كما أن زواج القاصرات لا يمثل انتهاكاً لحق الفتاة في التعليم والطفولة فقط، بل يشكل خطراً صحياً حقيقياً. فالحمل المبكر وما يرافقه من مضاعفات صحية ونفسية يهدد حياة الفتاة ومستقبلها، ويضعها أمام مسؤوليات تفوق قدرتها الجسدية والعاطفية.
ومن القضايا التي تستدعي وقفة جادة أيضاً تصاعد حالات العنف الأسري وسوء معاملة الأطفال، وما يرافقها أحياناً من إصابات خطيرة أو وفيات مأساوية تهز الرأي العام. كما أن جرائم القتل التي ترتكب بحق بعض الفتيات القاصرات تحت ذرائع مختلفة تمثل انتهاكاً صارخاً لحق الطفل في الحياة والأمان والكرامة الإنسانية.
إن غياب الإحصاءات الدقيقة والشاملة لا يعني غياب المشكلة، بل يؤكد الحاجة إلى بناء منظومة وطنية فعالة لرصد الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال وتوثيقها ومتابعتها قانونياً واجتماعياً وصحياً.
وفي اليوم العالمي للطفل، نجدد دعوتنا إلى جميع الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والصحية لتحمل مسؤولياتها في حماية الأطفال، وتوفير بيئة آمنة تكفل لهم النمو السليم والعيش الكريم.
إن حماية الطفل ليست مسؤولية الأسرة وحدها، بل مسؤولية المجتمع بأسره. فكل طفل يُحرم من طفولته بسبب العنف أو الفقر أو الاستغلال هو خسارة لمستقبل العراق. وكل خطوة تُتخذ لحماية الأطفال هي استثمار حقيقي في بناء وطن أكثر عدالة وإنسانية واستقراراً.
فلنجعل من اليوم العالمي للطفل مناسبة للتذكير بأن حقوق الأطفال ليست شعارات تُرفع في المناسبات، بل التزام أخلاقي وإنساني يجب أن يترجم إلى قوانين وسياسات وممارسات تحمي أطفالنا وتصون كرامتهم وتمنحهم الأمل بمستقبل أفضل.
رابطة المرأة العراقية في هولندا