حرب طروادة في أسطورة معاصرة
رواية (إبن المجهول) Son of Nobody، الصادرة، مؤخرا، عن (كانونغيت)، هي رواية الكاتب الكندي يان مارتل، مؤلف رواية (حياة باي)، الحائزة على جائزة البوكر عام 2002، والتي تحولت إلى فيلم فاز بجائزة غولدن غلوب وأربع جوائز أوسكار عام 2013.
وتقوم بنية العمل على مزج قصيدة ملحمية متخيلة يكتبها جندي مشاة في حرب طروادة، مع هوامش وكشوفات شخصية لأكاديمي عثر على شذرات كلاسيكية مفقودة في مكتبة بودليان. وهي، من ناحية، رواية عن برديات مصر، تمزج الواقع بالتاريخ، وتستكشف كيف تعكس المآسي الشخصية والملاحم التاريخية بعضها بعضا عبر ثلاثة آلاف عام.
كرس هارلو دون حياته للعالم الكلاسيكي، وعندما سنحت له فرصة دراسة مجموعة نادرة من شظايا البردي في جامعة أوكسفورد اغتنم هذه الفرصة. ورغم أن ذلك يعني ترك إبنته وانهيار زواجه في كندا، فإن هذه هي الاستراحة المهنية التي كان بأمس الحاجة إليها.
أطلق هارلو على القصيدة الملحمية اسم (سواس) نسبة إلى بطلها، وهو رجل يوناني من عامة الشعب يعرف باسم (بسواس)، لكنه معروف للجميع باسم (إبن المجهول).
وبصفته المترجم والمفسر الوحيد لـ(سواس)، أهدى هارلو القصيدة وهوامشها الحديثة الى إبنته هيلين. ويكشف النص عن أصداء اليونان القديمة في أيامنا. ورغم مرور ثلاثة آلاف عام بينهما، لم ينقطع خيط واحد: أغنية الحنين الى الوطن .. الماضي لا ينتهي أبدا، ذلك أن الأغنية تستمر دائما. وفي هذه التحفة الفنية يستكشف كتاب (إبن المجهول) كيف تتحول القصص الى حقائق، وكيف تحيا في الماضي والحاضر والمستقبل.
في رواية (حياة باي)، يتمنى بطل الرواية/الراوي، بعد أسابيع قضاها في قارب نجاة مع نمر، لو كان لديه كتاب مقدس أو أي كتاب ديني آخر ليقرأه، ولكن في حال عدم توفره يقول: "على الأقل لو كانت لدي رواية جيدة". و(إبن المجهول)، وهي رواية جيدة، كانت ستمنح باي، الذي يشعر بالملل، الكثير ليفعله: القراءة مرارا وتكرارا، ومقارنة وضعه بوضع بطل/راوي مارتل الجديد، العالق على جزيرة مهجورة، ومحاولة فرز طبقات الحقيقة والخيال في الرواية، والتعرف على الكثير بشأن حرب طروادة، واللغة اليونانية القديمة.
وفي رواية (إبن المجهول) يفوز هارلو دون، الباحث الكندي في الأدب الكلاسيكي، بمنحة دراسية مرموقة لمدة عام في جامعة أوكسفورد. ورغم قلة ماله وانعدام معارفه في أوكسفورد، يجد دون نفسه فجأة أمام معضلة حقيقية: فبين شظايا ومخطوطات المكتبات الشهيرة، يعثر على أجزاء من مخطوطة يونانية، تقدم بديلا مذهلا لملحمة (الإلياذة) لهوميروس، التي تركز على الطبقة الأرستقراطية، رواية عن الجندي بسواس ربما يرويها جندي آخر، قد يكون ثيرسيتس، الشخصية الفريدة في الكتاب الثاني من (الإلياذة).
وكما في رواية (حياة باي)، حيث يشير مارتل إلى قصص أخرى عن المنبوذين، تستخدم رواية (إبن المجهول) نوعا أدبيا قديما: المخطوطة القديمة والمكتشفة. وهناك وفرة من هذه الكتب لعل أشهرها (دون كيخوت)، و(الحرف القرمزي)، لكن أقربها الى رواية مارتل هي رواية نابوكوف (النار الشاحبة). تتألف الرواية من قصيدة طويلة وتعليق أطول منها بقلم أكاديمي مضطرب يتخيل نفسه ملك زيمبلا الهارب.
لطالما كان القراء معجبين بشخصية ثيرسيتس، ذلك البطل المتمرد في ملحمة هوميروس، الذي تجرأ على انتقاد النبيل أغا ممنون (وبالتالي قادة أرستقراطيين آخرين) لتسببه باستيلاء الإغريق على طروادة لعشر سنوات واحتكارهم الغنائم. ونتيجة لانتقاده تلقى ثيرسيتس ضربا مبرحا من أوديسيوس الذكي، الذي كان دائما على دراية بمواطن قوته، مع أنه ربما كان سيغير رأيه في الدفاع عن أغا ممنون بعد سنوات من الترحال في الأوديسة.
كان قرار مارتل باستخدام ثيرسيتس وعضلة بسواس التي ابتكرها قرارا ملهما، لكن التنفيذ، كما في رواية (حياة باي)، يميل الى الجانب التجاري أكثر من كونه مرشحا لجائزة بوكر. تعد (الإلياذة) أول تحفة أدبية غربية، يسميها بعض الباحثين "تحفة وحشية": كتاب طويل جدا عن شخصيات ضخمة، وبالتالي وحشية (آلهة وأبطال على حد سواء)، كتاب تبدو استطراداته وتفاصيله الدقيقة – في نظر العديد من القراء المعاصرين – ضربا من ضروب الوحشية، مفرطة كالملحمة التي تأثرت بـ(الإلياذة): (موبي ديك).
كان لدى الإغريق مصطلح "هامارتيا"، الذي يعني الخطأ الفادح أو العيب القاتل في شخصية البطل التراجيدي، وقد رسخه أرسطو في كتابه (فن الشعر)، وهو العيب المؤلم في كل من (حياة باي) و(إبن المجهول)، لكنه ليس قاتلا: النزعة العاطفية المفرطة. وفي (إبن المجهول)، وفي منتصف بحث دون، تمرض إبنته وتنقل الى المستشفى في كندا. وللوصول إلى طروادة ضحى أغا ممنون بابنته إيفيجينيا. ويبدو أن سعي دون وراء الشهرة الأكاديمية، واضطرابه العاطفي في أواخر الكتاب، هما السبب وراء إخفاقه في تحقيق الهدف، وهذه هي الترجمة الحرفية لكلمة "هامارتيا". فبعض أجزاء القصيدة تبدو في غير محلها، حيث يصف أحد المقاطع محرقة جثمان أخيل رغم أنه مايزال على قيد الحياة، وهو مشهد مؤثر لكنه غير واقعي، إذ كان الإغريق يدفنون موتاهم.
وتنضم رواية (إبن المجهول) الى العديد من الكتب الحديثة التي تعيد تخيّل الكلاسيكيات. ويمكن القول إن العقد الماضي كان عقدا ذهبيا لأدب الخيال المستوحى من الكلاسيكيات. فقد شهدت السنوات الأخيرة ظهور عدد كبير من الروايات التي تضفي على أساطير البحر الأبيض المتوسط القديم طابعا معاصرا، غالبا من خلال إعادة سرد الحكايات من وجهة نظر شخصيات قد تكون هامشية.
فالكاتبة الأميركية مادلين ميلر تستلهم في روايتها (سيرسي) – 2018 شخصية ثانوية من ملحمة هوميروس (الأوديسة)، وهي ساحرة تحول الرجال الى خنازير، وتضعها في قلب قصة حياة مليئة بالمغامرات. أما الكاتبة البريطانية المرموقة بات باركر، الحائزة على جائزة بوكر عن ثلاثيتها الروائية عن الحرب العالمية الأولى، فقد وجهت اهتمامها الى حرب طروادة في سلسلة ترويها شخصيات نسائية من تلك الملحمة الأسطورية. وتشير النسخ الجديدة من أريادني (التي أغواها ثيسيوس ثم هجرها)، وريا (والدة رومولوس وريموس)، وحتى هيرا، الزوجة الصابرة لزيوس الخائن، الى وجود العديد من الأفكار الجديدة لشخصيات كلاسيكية عريقة. ومن المعروف ان الكتّاب يعيدون صياغة الأدب اليوناني الكلاسيكي منذ القدم. فهل نظن أن هيلين الطروادية هربت مع باريس وأشعلت بذلك حرب طروادة؟ اذا ما فكرنا، مرة أخرى، بمسرحية يوريبيدس (هيلين)، التي عرضت، أول مرة، حوالي عام 412 قبل الميلاد، فلن نجد أمامنا سوى شبح تلك التي هربت مع أمير طروادة الوسيم، أما هيلين الحقيقية فقد نقلت سرا الى مصر، حيث تتوق إلى زوجها الشرعي مينلاوس، وتنوح على سمعتها الملطخة. وفي الواقع كان الكاتب المسرحي نفسه أول من أعاد تصوير الحرب من وجهة نظر شخصياتها النسائية المصابة بصدمة سايكولوجية. فمسرحيته (نساء طروادة)، وهي دراما مؤثرة مناهضة للحرب، ماتزال تعرض، بانتظام، حتى اليوم، تمنح النصر الأخلاقي لزوجات وأمهات وبنات الطرواديين المهزومين، بينما تصور المضطهِدين الذكور بأنهم يفتقرون الى الأخلاق، وقساة من دون مبرر.
وليس من المستغرب أن تحمل العديد من هذه المعالجات الجديدة، بدءا من كتّاب المآسي اليونانية، وصولا الى مؤلفي اليوم، طابعا نسويا واضحا. وبما أن البطولة الأسطورية حكر على الرجال الأرستقراطيين، فإن نقل أحداث القصص (وذاتيتها) الى شخصيات نسائية كانت مهمشة سابقا، قد يكون له أثر منعش، بل وذو محتوى ديمقراطي.
لكن في أحدث معالجة تنقيجية للنصوص القديمة ينصب التركيز على الطبقة الاجتماعية بدلا من الجندر. فرواية يان مارتل الجديدة، التي تدور حول اكتشاف ملحمة مفقودة لحرب طروادة، بطلها ليس أميرا شبه إلهي كأخيل في (الإلياذة)، بل جندي بسيط يحمل ضغينة لضباطه ذوي النسب الرفيع. هذا التصور المتواضع وغير المألوف لشخصية هوميروس يسمح للقصة، ولرواية مارتل، بطرح السؤال: ما الذي يجعل البطل بطلا؟
وعلى أية حال تتناول رواية (إبن المجهول) العديد من القضايا المعاصرة، حتى مع جذورها في الأساطير والسرد القصصي الكلاسيكي. كان العالم القديم محكوما من قبل النخب، كما هو الحال في عالمنا المعاصر. فكيف لنا، كبشر، أن نواجه آلة السياسة الجبارة؟ من نحن في مواجهة ذلك؟
يقول مارتل: "في الإلياذة لا يتحدث سوى شخص واحد من عامة الشعب، وهو الوحيد الذي يقول شيئا يبدو بديهيا تماما: لماذا نحن هنا؟ ما الذي نجنيه من هذا". كيف يعيش المرء حياته في ظل نظام كهذا؟ من خلال هارلو وبسواس يرى القراء خيوطا عديدة متشابكة في عقدة غورديه (أسطورة تتعلق بالإسكندر الأكبر وتستخدم عادة للدلالة على مشكلة صعبة الحل): الحزن والغضب، الشخصي والسياسي، على حد سواء، والتوق الى العدالة، والحب، ودائما الى مزيد من الوقت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صحيفة (الصباح) – 7 حزيران 2026