البصرة تتصدر المحافظات.. أكثر من 2700 كيلومترا مربعا ما تزال محرمة
رغم انتهاء الحروب التي شهدها العراق، ما تزال الألغام والمخلفات الحربية تحصد أرواح المدنيين، وتعرقل التنمية وعودة الحياة إلى مناطق واسعة، إذ تجعل آلاف الضحايا وملايين الأمتار المربعة الملوثة هذا الملف واحدا من أخطر التحديات الإنسانية والبيئية المستمرة في البلاد.
ويقول مدير قسم التوعية والإعلام في دائرة شؤون الألغام بوزارة البيئة، مصطفى حميد مجيد، في حديثه لـ«المدى»، إن «محافظة البصرة تعد أكثر المحافظات العراقية تلوثا بالألغام والمخلفات الحربية، بل إنها من أكثر المناطق تلوثا على مستوى العالم».
ويشير إلى أن «الحروب المتعاقبة، ولا سيما الحرب ضد تنظيم داعش، أسهمت في زيادة حجم التلوث بالألغام والمخلفات الحربية، الأمر الذي انعكس سلبا على عمليات التنمية والاستقرار الإنساني، كما أثر في ممارسة الأنشطة الحياتية بصورة عامة».
وفي ما يخص أنواع الملوثات الحربية والذخائر، يوضح مجيد أن «العراق يعاني من تلوث واسع بمختلف أنواع المخلفات الحربية، من بينها الألغام المضادة للأفراد، والألغام المضادة للعجلات والدروع، والذخائر العنقودية، والمخلفات الحربية، والمتساقطات الحربية، إضافة إلى العبوات الناسفة التي خلفها تنظيم داعش الإرهابي».
وعن المساحة الكلية للتلوث الحربي في العراق، يوضح مجيد أن «تم تحديدها منذ عام 2003، وبلغت نحو 6793 كيلومترا مربعا، والمتبقي حاليا هو بحدود 2738 كيلومترا مربعا فقط، نصف هذه المساحة تتركز في محافظة البصرة»، مبينا أن «أعداد الضحايا، وحسب قاعدة البيانات المعتمدة لدى دائرة شؤون الألغام، هي 35431 ضحية».
ويبين مجيد أن «الظروف المناخية والجوية، وفقدان خرائط زراعة الألغام العائدة إلى فترة الحرب العراقية الإيرانية، فضلا عن السيول والانجرافات التي تتسبب بتحرك الألغام والمخلفات الحربية، فيما يعرف بـ«هجرة الألغام»، تؤثر في عمليات الإزالة». ويضيف أن الوضع المالي الذي تعاني منه الدولة والمؤسسات الحكومية يؤثر أيضا في استمرارية عمل الفرق الميدانية.
ويردف أن «دائرة شؤون الألغام تنفذ حملات توعوية بشكل مستمر، سواء بشكل مباشر أو بالتعاون مع الجهات الوطنية، مثل الدفاع المدني، وهيئة الحشد الشعبي، ووزارة الدفاع، إضافة إلى المنظمات الإنسانية، بهدف تعزيز السلامة وحماية المجتمعات المتأثرة بمخاطر الألغام والمخلفات الحربية».
وحول دور المنظمات الدولية، يوضح مجيد أن «عملها يعتمد على التمويل المقدم من الجهات المانحة، إلا أن تراجع الدعم الدولي خلال الفترة الحالية انعكس على حجم التمويل المقدم لها، ومع ذلك تبقى المنظمات الإنسانية من الأدوات اللوجستية المهمة التي تدعم عمل دائرة شؤون الألغام داخل العراق».
ويؤكد أن «وجود الألغام يؤثر بشكل مباشر على عودة النازحين، كما يعرقل تنفيذ المشاريع الخدمية والزراعية والاستثمارية»، لافتا إلى أن «إزالة هذه المخلفات تتيح انطلاق المشاريع مجددا، وتسهم في تحقيق الاستقرار والتنمية والازدهار في المناطق المحررة».
ويشير مجيد إلى أن دائرة شؤون الألغام تعمل وفق الاستراتيجية الوطنية للأعوام 2023-2028، التي كانت تستهدف إعلان العراق خاليا من المخلفات الحربية بحلول عام 2028، إلا أن التحديات المالية، ونقص الكوادر، وضعف الدعم اللوجستي، وغيرها من المعوقات، قد تدفع إلى طلب تمديد جديد، ليحدد لاحقا موعد آخر لإنجاز هذا الملف بشكل كامل.
ويبين أن «دائرة شؤون الألغام لا تتعاقد مع أي شركات عاملة في مجالات شؤون الألغام، وإنما التعاقدات تتم مع الجهات المستفيدة بشكل مباشر من قبل وزارات النفط والكهرباء والنقل، وإن مهمة دائرة شؤون الألغام محصورة بالإشراف والمراقبة على أعمال الإزالة والتطهير، بموجب سلسلة من المعايير الوطنية المعتمدة لدى دائرة شؤون الألغام».
وفي هذا السياق، تقول مدير قسم شؤون المنظمات في الأنبار، أبرار العاني، في حديثها لـ«المدى»، إن «الألغام والمخلفات الحربية لا تزال تشكل تهديدا حقيقيا ومباشرا للسكان، خصوصا في المناطق التي شهدت مواجهات عسكرية سابقة».
وتوضح أنه «على الرغم من الجهود الكبيرة المبذولة في أعمال التطهير والمسح، فإن بقايا الحرب لا تزال تعيق عودة الحياة الطبيعية، وتعرقل استثمار الأراضي الزراعية وتنفيذ مشاريع التنمية المستدامة»، مشيرة إلى أن الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها رعاة الأغنام في المناطق المفتوحة والنائية، هي الأكثر تضررا وتعرضا لهذه الأجسام القاتلة.
وفي ما يخص ما تخلفه المخلفات الحربية من آثار، تشير العاني إلى أن «آثار هذه الألغام تتجاوز حدود الخسائر البشرية المباشرة، لتطال البنية الاقتصادية والاجتماعية للمحافظة وللبلد ككل»، مضيفة أن «التلوث بالألغام يسهم في تجميد مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الخصبة التي تنتظر التطهير، وهو ما يؤخر عودة الكثير من العائلات النازحة إلى مناطق سكناها الأصلية، ويعطل عجلة الاستثمار والخدمات».
وتبين أن «هناك أعباء كبيرة تقع على كاهل الأسر التي فقدت أفرادا منها أو تعرض أحدهم لإعاقة دائمة».
وتشرح العاني أن «حملات التوعية المجتمعية تسهم بشكل ملموس في الحد من الحوادث، من خلال رفع مستوى الوعي بالتعامل مع الأجسام الغريبة»، مستدركة أن «هذه الجهود بحاجة ماسة إلى الاستمرار والتوسع الفعلي للوصول إلى جميع الشرائح، لا سيما الأطفال، وسكان المناطق الريفية، والعائدين حديثا إلى ديارهم، فالتوعية المستمرة تظل الركيزة الأساسية للوقاية والحد من أعداد الضحايا في المناطق الملوثة».
أما عن دور منظمات المجتمع المدني، فتبين العاني أن «منظمات المجتمع المدني شريك ميداني محوري، إذ تتولى تنظيم حملات التوعية، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للناجين، إضافة إلى التنسيق مع الجهات الحكومية والدولية لإنجاح برامج إعادة الدمج».
وتردف أن «تلك المنظمات قامت بتدريب أعداد كبيرة من الرجال والنساء، وأهلتهم لمواجهة مخاطر الألغام والتعامل مع الملف بشكل مباشر وغير مباشر».
وتؤكد العاني أن «احتياجات الناجين لا تقف عند حدود العلاج الطبي والتأهيل وتوفير الأطراف الصناعية والرعاية الصحية المتكاملة، بل تمتد لتشمل الدعم النفسي وبرامج التمكين الاقتصادي والتدريب المهني التي تضمن لهم استعادة استقلالهم المالي والاندماج مجددا في المجتمع».
وفي ما يخص الدور الحكومي، تقول العاني إن «هناك حاجة ملحة لتسريع عمليات إزالة الألغام والمخلفات الحربية، عبر تعزيز أعمال المسح الميداني، وتوفير الدعم الفني والمالي للفرق المختصة، واستمرار التنسيق مع الشركاء الدوليين»، موضحة أن «الأنسب في هذه المرحلة هو إدراج ملف إزالة الألغام كشرط أساسي ضمن خطط التنمية والإعمار الشاملة لضمان استدامتها».
وتتابع مدير قسم شؤون المنظمات في الأنبار أن «هناك اهتماما حكوميا متزايدا بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني ودائرة إزالة الألغام، لتسهيل الحركة والتنسيق بين مختلف القطاعات».
وتؤكد العاني أن «هناك حرصا من قسم شؤون المنظمات في الأنبار على تهيئة بيئة عمل نموذجية وداعمة لمؤسسات المجتمع المدني، وتعزيز شراكاتها مع المنظمات الدولية، بما يضمن تنفيذ برامج إنسانية ذات أثر مباشر وملموس على حياة المواطنين، مع التأكيد على أهمية توسيع هذا الدعم لضمان فاعلية التدخلات الميدانية واستدامتها».
من جانبه، يقول المتخصص في شؤون البيئة، ليث العبيدي، في حديثه لـ«المدى»، إنه «لا توجد حتى الآن دراسة دقيقة لتقييم أثر الألغام والمخلفات الحربية على التنوع الحيوي في العراق، إلا أن الملاحظات الميدانية والزيارات المستمرة للمناطق التي تتداخل فيها حقول الألغام، سواء في المناطق الحدودية أو بعض المناطق الداخلية، وكذلك المناطق التي شهدت توسعا في النشاط النفطي، أظهرت وجود آثار بيئية واضحة».
ويبين العبيدي أن «العديد من الحيوانات البرية، وكذلك الحيوانات التي يربيها السكان، مثل الإبل وغيرها، تعرضت للإصابة أو النفوق بعد دخولها إلى حقول الألغام، كما أن الحيوانات البرية كثيرا ما تدخل تلك المناطق وتتعرض للإصابة أو الموت».
ويضيف أن «تقييم حجم الأضرار البيئية ما يزال صعبا للغاية، لأن المناطق الملوثة بالألغام يصعب الوصول إليها، ولا يمكن دخولها إلا عبر مسارات آمنة محددة، الأمر الذي يجعل إجراء الدراسات الميدانية معقدا ويستغرق سنوات طويلة، فضلا عن أن إزالة الألغام نفسها تحتاج إلى وقت طويل».
ويشير العبيدي إلى أن «الألغام أثرت أيضا في التربة والغطاء النباتي، إذ تعرضت مساحات واسعة للتجريف قبل زراعة الألغام فيها، ثم عادت النباتات للنمو تدريجيا، إلا أن ذلك لا ينفي وجود تأثيرات بيئية كبيرة، إذ لا تزال بعض المناطق تعاني ضعفا في الغطاء النباتي، بينما شهدت مناطق أخرى تعافيا نسبيا تبعا للظروف البيئية التي مرت بها خلال السنوات الماضية».
وفي 4 حزيران/يونيو 2026، قتل شخص وأصيب أربعة آخرون إثر انفجار لغم من مخلفات تنظيم داعش، أثناء رعي الأغنام في القرية العصرية التابعة لناحية اليرموك في قضاء الرمادي بمحافظة الأنبار.
وفي 4 كانون الثاني/يناير 2026، أسفر انفجار عبوة من مخلفات تنظيم داعش، أثناء رعي الأغنام قرب ناحية تل عبطة غربي الموصل، عن مقتل شابين وإصابة ثلاثة آخرين.
وفي 8 كانون الثاني/يناير 2026، أعلنت الهيئة العامة لشؤون الألغام في إقليم كوردستان مقتل وإصابة 29 شخصا جراء حوادث الألغام خلال عام 2025، موضحة أن تلك الألغام زرعها الجيش العراقي السابق خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي.
وفي 15 شباط/فبراير 2025، قتل ثلاثة أطفال أثناء لعبهم كرة القدم، إثر انفجار لغم أرضي في قضاء أبي الخصيب بمحافظة البصرة، وذلك بعد أسبوع من انفجار مخلف حربي أسفر عن مقتل طفلين وشابين وإصابة امرأة أثناء توجه عائلة إلى مزرعتها شمال المحافظة.