هبة الواسطي تنقّب في ذاكرة (ويفنغشو)
نشر بواسطة: mod1
الخميس 13-08-2026
 
   
رضا الظاهر

نقد تسليع المعاناة الإنسانية

تدور أحداث رواية (ويفنغشو) Weavingshaw، العمل الأول للروائية العراقية – الكندية هبة الواسطي Heba Al-Wasity في عالم خيالي مستوحى من العصر الفكتوري، نجد فيه أجواء السحر، والانقسامات المجتمعية الصارمة.

وهذه الرواية، الصادرة عن دار (بانتام) في شباط 2026، هي الجزء الأول من ثلاثية رومانسية مخطط لها. ويتمثل الموقع الرئيسي للأحداث في (ويفنغشو)، وهي ضيعة أرستقراطية متداعية، ومصابة بلعنة، تقع في عمق أراضٍ قاحلة وعاصفة. وتماشياً مع تقاليد الرعب القوطي يعمل قصر ويفنغشو، بحد ذاته، كوجود واعٍ، فهو كائن حي متعطش للدماء، يسعى، بصورة ممنهجة، الى حبس الشخصيات وتدميرها، بينما تحاول هذه الشخصيات كشف أسراره الدفينة.

قبل ثلاث سنوات استيقظت بطلة الرواية، لينا الساير، لتجد لديها قدرة خارقة على رؤية الأشباح والتواصل معها، في ظل دولة تقوم بإضفاء الطابع المؤسسي على الناس أو استغلالهم بهذه اللعنة، لتبقي سلطاتها قمعية. ومنذ ذلك الحين عزلت نفسها عن العالم، مدركة أنها إذا كشفت عن هذه "اللعنة" فسيتم إيداعها في مصحة عقلية. وعندما يصاب شقيقها الأصغر رامي بمرض مميت لا تستطيع لينا تحمل كلفة الدواء الباهظة لإنقاذه. فتبحث يائسة عن برام سانت سيلاس، التاجر الغامض والقاسي، المعروف باسم (قديس الموت)، الذي يتاجر بالعملة، ويفضل، حصريا، الاعترافات المظلمة. ويقبل سيلاس سرّه كضمان، لكنه يجبر لينا على الدخول في عقد خطير: يجب عليها العثور على شبح بيرسيفال أفون، السيد الأخير لقصر ويفنغشو، أو التنازل عن حريتها للقديس إلى الأبد.

تعيش لينا وشقيقها كغريبين ونازحين، وهو ما يعكس تجربة الواسطي الشخصية، واستفادتها من خبرتها المهنية اليومية كطبيبة طوارىء وطبيبة نفسية في هيئة الخدمات الصحية الوطنية في بريطانيا، ويكشف السرد تعليقات اجتماعية تتناول التفاوت الاجتماعي المنهجي، والفساد في الحكم، واستغلال النخب الثرية للفقراء. وتدمج الكاتبة في الإطار الخيالي الخارق للطبيعة دلالات مستمرة من تجارب واقعية وشخصية. ويوضح السرد كيف تتحول نقاط الضعف إلى أداة للمقايضة في ظل نظام استبدادي.

وتتميز الرواية بعلاقة عاطفية تتطور ببطء وتتسم بكثافة شعورية عالية، وتبرز شخصية سيلاس كبطل ذي طابع أخلاقي ملتبس، ومعقد للغاية.

وتجسد هذه العلاقة الرومانسية المحورية الصراع العاطفي وتحوله من العداء إلى الحب، على نحو يذكّرنا بالروايات الفكتورية الكلاسييكية مثل (كبرياء وتحامل) لجين أوستن، و(مرتفعات ووذرينغ) لإميلي برونتي، و(ريبيكا) لدافني دو مورييه. وفي خضم صراعها ضد سطوة ويفنغشو، تجد لينا نفسها مضطرة، أيضا، لمقاومة انجذابها المتزايد نحو القديس الغامض الذي تظل علاقته ببيرسيفال أفون لغزا محيرا. وبينما تقترب لينا من القديس، وتنغمس في عالمه المليء بالمخاطر والعداء والرغبة، تكتشف أنه يخفي أسرارا خاصة به، أسرارا تمتلك القدرة على تدميرهم جميعا. وتتغير آلية السلطة بينه وبين لينا تدريجيا لتصبح مكافئة مع تصديها لسلطته وتحديها له. ومع بدء القصر في محاصرتهم وابتلاعهم، يداهمهم الوقت في سعيهم اليائس للعثور على إجابات. فقد أدركت لينا، أخيرا، أن الموتى في ويفنغشو لا يلتزمون الصمت، وأن بعض الأسرار من الأفضل أن تظل مدفونة معهم.

ويضفي سيلاس – البطل الذكر – طابعا واقعيا قاسيا وملتبسا أخلاقيا على السرد، إذ يعمل كوسيط خطير لنقل الاعترافات المشينة والمظلمة، بينما تمنح لينا العمل طابعا واقعيا راسخا ينبع من غريزة البقاء، حيث توازن بين قدرتها المرعبة والخفية على رؤية الموتى، وبين الواقع القاسي المتمثل في حياة اللجوء والتهجير.

وتتجاوز الرواية مفهوم "مخاطر الفانتازيا" التقليدية لتضفي طابعا قاتما يعكس البؤس والتهجير والتفاوت الاجتماعي، واضعة هذه القضايا كطبقة أساسية تحت أحداث الكائنات الخارقة للطبيعة. وتتضاعف أجواء الرهبة والتوتر بفعل المشهد السياسي المعقد الذي تشوبه آثار الكولونيالية، والقمع الطبقي، ونذر الحرب الوشيكة.

ويتميز أسلوب الواسطي السردي بالحيوية، مما يضفي رحابة على العالم الذي ابتكرته وعلى الأجواء القوطية التي أحيطت بها شخصيات الرواية. وتخلق العناصر الخارقة للطبيعة جوا من التوتر والقلق، مع سعي الأشباح المستميت للوصول إلى لينا، وتسلل رسائل مشؤومة إلى أحلامها. وتسود حالة من عدم اليقين طوال الوقت، مما يعزز الطابع القوطي الذي أبدعت الواسطي في صياغته. وتتسم الأحداث بالعنف والدموية، حيث تتراكم الجثث، سواء كانت هامدة أو مشوهة، في سياق المساعي التجارية المريبة لسانت سيلاس. وفي المقابل تتمتع لينا ببوصلة أخلاقية راسخة، وتدرك تماما الحدود التي رسمتها لنفسها، أو تلك التي فرضت عليها، بينما تمثل شخصية سانت سيلاسي النقيض، إذ لا يتوانى عن تجاوز كل الخطوط، والذهاب إلى أقصى الحدود لتحقيق غاياته، بغض النظر عن العواقب.

وعلى الرغم من تصنيف هذا العمل ضمن فئة الفانتازيا القوطية التي تتضمن خطا دراميا رومانسيا، فإنه يتجاوز ذلك بكثير، بفضل تناوله العميق، متعدد الطبقات، لقضايا الاضطهاد الاجتماعي وتجربة اللجوء. لقد فرّ والدا لينا من الجزائر إلى مورلاند هربا من الحرب الأهلية، ليجدا نفسيهما منبوذين ومصنّفَين كغرباء في أرض ترفض تقبلهما. وفي ظل سجن والدها بسبب محاولاته تأسيس نقابة عمالية، تجد لينا نفسها في صراع مع فقدان والدها الذي ضحى بحريته من أجل مبدأ سامٍ، بينما تحاول هي، في الوقت ذاته، التمسك بهذا المبدأ في حياتها اليومية، إذ تفعل ذلك عبر التشبث ببقايا تراثها، وارتداء أزيائها التقليدية، وترجمة ادبها.

وتجسد الروائية الواسطي تجربة الجيل الثاني من المهاجرين ببراعة فائقة، موضحة كيف يمكن للمرء أن ينشأ في بلد ما وتبقى جذوره راسخة في بلد آخر، مما يجعله ممزقا بين هويتين، وعاجزا عن الشعور بالاكتمال. ويبرز هنا موضوع متكرر ومحوري يتمثل في البحث عن "الوطن" والشعور بالانتماء، وهذه معاناة لا تقتصر على لينا وحدها.

المؤلفة هبة الواسطي، التي تقيم حاليا في شمال إنجلترا، استمدت إلهامها في الكتابة من تجاربها الشخصية. فقد ولدت لأبوين عراقيين لاجئين في ليبيا، ونشأت في كندا، ودرست الطب في المملكة المتحدة. وقد حققت روايتها الأولى هذه، وهي، كما أشرنا، جزء من ثلاثية، نجاحا فوريا بتصدرها قائمة (صنداي تايمز) للكتب الأكثر مبيعا، كما اختارتها (رابطة بائعي الكتب المستقلين) ضمن قائمة (إندي إنترو ديوس) للأعمال المميزة، ومن المقرر ترجمتها إلى عشر لغات.

وبوسعنا القول، أخيرا، إن ما يكمن خلف الطابع الرومانسي المفعم بالأجواء الخاصة وحضور الأشباح الخارقة للطبيعة في رواية (ويفنغشو)، هو نقد لاذع للتفاوت الاجتماعي والاستغلال الطبقي، وتحويل المعاناة الإنسانية إلى سلعة. وعلى الرغم من تسويق العمل كفانتازيا رومانسية، فان هذه الرواية تجسد استعارة اجتماعية واضحة تتأثر بملاحظات الواسطي الواقعية حول الكيفية التي يغذي بها الحرمان الانقسامات المجتمعية الحادة. وعند فحص الرواية من منظور اجتماعي يتحول السرد من مجرد قصة أشباح مرعبة إلى استكشاف عميق للصراع الطبقي، وتراكم رأس المال، والمقاومة الثورية.

وفي عالم (ويفنغشو) تحوّل الواسطي مفهوم تحويل الرأسمالية كل شيء، بما في ذلك العمل البشري والعلاقات الإنسانية، والهوية، إلى سلعة قابلة للبيع والشراء في السوق، من خلال شخصية القديس سيلاسي، الذي يذكّرنا، على نحو ما، بشخصية شايلوك في مسرحية (تاجر البندقية) لشكسبير. فهذا القديس يعمل كتاجر لا يعرف الرحمة، ويحتفظ بسجل ضخم يضم اعترافات البشر. ويتوافد عليه اليائسون والمعدمون، إذ لم يتبقَ لديهم ما يبيعونه سوى أعمق صدماتهم وذكرياتهم وأسرارهم. ويعكس هذا السلوك عملية الانتزاع الرأسمالية. فالمحتاجون يتخلون عن حقائقهم الداخلية مقابل بضع عملات، ليتحولوا، حرفيا، إلى "ظلال لما كانوا عليه"، بينما يراكم القديس الثروة والنفوذ.

إن الدولة، كما هو معلوم، تستخدم القوة – سواء الآيديولوجية أو المادية – للحفاظ على الانقسامات الطبقية وحماية الأثرياء. ويجري الحفاظ على النظام في هذا المجتمع بواسطة منظمة شبه عسكرية تُعرف باسم (العباءات السوداء)، تعمل كأداة قمعية تابعة للدولة، حيث تضمن خضوع المحرومين، وتحمي الملكية الخاصة، وتحافظ على أسرار النخبة.

وانسجاما مع التطور الاجتماعي تولّد البنى الطبقية القمعية مقاومة حتمية، إذ تمهد (ويفنغشو) الطريق لحركة ثورية كامنة تهدف إلى تفكيك تلك الزمرة المتنفذة الوحشية. وتجد الشخصيات نفسها مضطرة لإدراك أن التحرر الحقيقي لا يتحقق عبر النجاة الفردية، أو عقد الصفقات مع التجار، بل يتطلب تحطيما جماعيا للنظام القائم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الطريق الثقافي – العدد 183 – 12 آب 2026 عرض أقل

 
   
 



 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced