كارو كلير بيرك في رواية (العام الماضي)
نشر بواسطة: mod1
الأحد 16-08-2026
 
   
رضا الظاهر

نقد الاغتراب و"الحلم الأميركي"

في رواية (العام الماضي) Yesteryear، الصادرة عن (فورث إستيت) في نيسان 2026 تستكشف الكاتبة الأميركية كارو كلير بيركCaro Claire Burke  ظاهرة "الزوجة التقليدية"، والفجوة بين المحتوى الرقمي والحياة المعاشة، في رواية أولى مميزة، وقّعت الممثلة الأميركية البارزة ىن هاثاوي عقدا لبطولة وإنتاج فيلم مقتبس عنها لصالح ستوديوهات (أمازون) حتى قبل صدورها.

ناتالي هيلر ميلز امرأة أميركية تقليدية تبلغ من العمر 32 عاما، زوجة وأم جميلة، مؤثرة ناجحة للغاية، ولديها أكثر من ثمانية ملايين متابع، تروج لأسلوب حياتها القائم على منتجات مزرعتها، وتبيع صورا منمقة لحياة "الرواد" لملايين من منزلها الريفي في ولاية إيداهو، حيث تعرض خبزا مصنوعا يدويا، وحليبا طازجا، ولديها عائلة مثالية: فهي متزوجة من ابن وسيم لسيناتور أميركي ثري، يروّج لقيم الأسرة، وتقضي أيامها في نشر صور لها وهي تحضّر الزبدة، وتخبز، وتبدع في مطبخ منزلها الريفي الأنيق، وتعتني بالدجاج والماشية، وتلتقط الصور مع عائلتها المتزايدة باستمرار، أمام الحظيرة الخلابة، والحقول الممتدة لمزرعتها الجديدة، التي أطلقت عليها اسم (العام الماضي). وحياتها، في الواقع، عبارة عن إنتاج تجاري مدعوم بمربّيات، وعاملات نظافة بدوام كامل، ومطابخ صناعية مخفية خلف جدران مزيفة، ومنتج مقيم يملي عليها لحظاتها "العفوية".

لكن النساء اللواتي يتابعنها لا يعلمن شيئا عن المربيات، وسواهن من المخادعات العصريات اللواتي يتولين إدارة شؤون المزرعة والعائلة. كما أنهن لا يعلمن أن زوج ناتالي متساهل وكسول، وربما ليس ذكيا جدا. وهن، بالتأكيد، لا يعلمن أن ناتالي ليست قريبة من صورة "المرأة المسيحية المثالية" التي تتظاهر بها، صورة "الأم التي تتمناها كل امرأة، والزوجة التي يتمنى كل رجل العودة إليها". أجل، هذا فقط من أجل إنستغرام، حتى أن ناتالي تقول :أحيانا كنت أشعر بالضيق من مدى مثالية حياتي، ومدى براعتي في عيشها". وعندما تكشف شانون، المرأة التي استأجرتها ناتالي لتوسيع نطاق وصولها إلى المتابعين، عن التناقض بين ناتالي على الإنترنت، وناتالي في الواقع، تبدأ الواجهة المؤثرة المثالية بالانهيار، وتتحول حياتها الحالمة إلى كابوس.

غير أن الأحداث تنقلب رأسا على عقب عندما تستيقظ ناتالي ذات صباح في عام 1855. تختفي الكاميرات والفلاتر والمساعدون، وتُجبَر على مواجهة "حياة" أخرى ليست حياتها. منزلها، زوجها، أطفالها، جميعهم مألوفون، لكن ثمة شيء غريب. مطبخها دافىء بنار متقطعة بدلا من الكهرباء، أطفالها متسخون وغريبون، وزوجها ذو الأيدي الناعمة أصبح، فجأة، مزارعا ماهرا.

بالأمس فقط كانت ناتالي تنسق صورا لمربّى منزلي الصنع لإنستغرام، والآن يُتوقع منها أن تنقل الحطب، وتغسل الملابس يدويا. هل أصبحت نجمة برنامج واقعي قاسٍ دون علمها؟ هل يمكن أن يكون هذا سفرا عبر الزمن؟

هذه الرواية تكشف، من جهة، كيف يشوه المؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي، الذين يتواجدون باستمرار في حياتنا، إدراكنا للواقع من خلال تقديم صورة مختلفة تماما. ومن جهة أخرى تتناول الرواية جاذبية ظاهرة الزوجة التقليدية المستمرة، وهي ظاهرة ليست حكرا على عصرنا. وتفكك الروائية جمالية الأنوثة "التقليدية"، مستكشفة سبب انجذاب المجتمع المعاصر الى أدوار الجندر الرجعية. لكن ما يميز هذا الكتاب هو أسلوبه في طرح هذه الأفكار من خلال قصة آسرة حقا.

فمنذ الصفحات الأولى تشدنا الرواية إلى لغز ما حدث لناتالي، وكيف وجدت نفسها في العام 1855. وهذا اللغز الذي يتكشف تدريجيا عبر سرد يمتد على فترتين زمنيتين، يدفع القصة قدما، ويبقي القارىء متشوقا لقلب الصفحات. ورغم أن النهاية قد لا ترضي جميع القراء، إلا أنها تشكل منعطفا سيجده معظمهم مفاجئا ومثيرا للتفكير.

لا ريب أن أحد أسباب جاذبية هذه الرواية هو شخصية ناتالي، التي لا تشهد أي تطور إيجابي يذكر، ولا يوجد أي سبب يدفع القارىء إلى التعاطف معها. ومع ذلك فهي بطلة معقدة لدرجة تجعلنا نشعر بالفضول لمعرفة مصيرها. لقد أبدعت كارو كلير بيرك في هذا العمل الذي يعد مثالا نادرا لقصة توازن بين النقد الاجتماعي اللاذع، والحبكة المشوقة التي تجذب القارىء، مقدمة التسلية والفهم العميق على حد سواء.

تسلط جماليات رواية (العام الماضي) الضوء على الأسس البصرية والموضوعية لهذه الرواية، التي تستكشف التباين الصارخ بين جماليات "الرواد" المنمقة، التي يتبناها المؤثرون المعاصرون على وسائل التواصل الاجتماعي، وبين الواقع القاسي والوحشي للحياة التاريخية. وفي الرواية تحافظ البطلة ناتالي هيلر ميلز على الحضور الذي يجتذب ملايين المتابعين من خلال تقديم نسخة "منمقة" من الحياة الزوجية التقليدية. ويمكن القول إن هذه الجماليات تتسم، بإيجاز، بالحياة المنزلية المرتبة، ومظهر "الريادة"، والأنوثة المتظاهرة بالتقوى. ومن ناحية ثانية تتخذ القصة منحى مظلما عند استيقاظ ناتالي في العام 1855، حيث يتحول المظهر الجمالي من الرقي إلى القسوة. ويستبدل المنزل الريفي الساحر بمنزل متهالك، ذي مرحاض خارجي، وأرضيات مغطاة بالتراب. ونرى فساتين البراري المصنوعة يدويا ملطخة، بينما تنزف يدا ناتالي من غسل الملابس بصابون قلوي قاس. وفي غياب الطب الحديث يصبح المظهر الجمالي مرتبطا بالبقاء، وتجرى الغرز بدون تخدير، وتفوح من المراهم الطبية رائحة دهن الخنزير المقدد. وتستخدم الروائية هذه الصور المتناقضة للتعبير عن الغضب النسوي، والتعليق على العديد من مظاهر الأنوثة، وتقديم نقد لاذع للثقافة المعاصرة، والاغتراب، وتسليع النساء، والدور الآيديولوجي لـ "الحلم الأميركي".

وتصف الكاتبة الرواية بأنها دراسة لـ"أداء المرأة"، حيث تخفي ابتسامة المرأة الخارجية أفكارا داخلية معقدة ومتناقضة في كثير من الأحيان. وتنتقد الرواية الطريقة التي تسمح بها وسائل التواصل الاجتماعي للمؤثرين بالتربّح من آيديولوجية – نزعة تقليدية – لا يعيشونها في الواقع.

ويمكن القول إن رواية (العام الماضي) رواية سياسية صريحة على غرار رواية (زوجات ستيبفورد) للكاتب الأميركي إيرا ليفين – 1972، التي تدور في ضاحية صغيرة حيث تقوم النساء بأعمالهن المنزلية بسعادة لإرضاء أزواجهن، وهي رواية ذات طابع نسوي، تنتقد تسليع المرأة،  وكذلك رواية (حكاية الخادمة) للكاتبة الكندية مارغريت أتوود – 1985، التي تصف عالما مستقبليا بائسا، حيث حلّ نظام بطرياركي شمولي، هو جمهورية جلعاد محل حكومة الولايات المتحدة، وهي، في الجوهر، احتجاج على حظر الكتب في أميركا.

وفي شخصية ناتالي قدمت لنا بيرك شخصية آسرة بكل معنى الكلمة، متغطرسة، نرجسية، وغير مبالية، ومع ذلك فهي قريبة من القلب بشكل لافت، ومسلية للغاية. وبينما تسخر الرواية من حركة (لنجعل أميركا عظيمة مجددا) ومن العواقب السلبية لثقافة الإنترنت، فان هذا العمل الروائي يستكشف، أيضا، أسئلة أعمق حول وضع المرأة في أميركا اليوم.

من ناحية أخرى ليست إشارة الرواية إلى رغبة "الزوجة التقليدية" في "العودة إلى زمن أبسط" سوى شكل آخر من أشكال الهروب من الواقع، ناتج عن الاغتراب العميق الذي تفرضه المرحلة الرقمية الراهنة من النظام الرأسمالي. وتعد هذه الرواية بمثابة تحذير من التلاعب الآيديولوجي بالتاريخ، ومخاطر تسويق المجال المنزلي للمرأة كعلامة تجارية لأسلوب حياة.

ومن اللافت للإنتباه أن الروائية كارو كلير بيرك تقول إن قيم ناتالي تدور حول الخضوع. وتعتقد الروائية أن "هذا هو التناقض الذي وجدته مرضيا أثناء كتابتي للرواية". وتضيف إن "هذه المرأة قد تدّعي الإيمان بتلك القيم، أو على الأقل نشأت في مجتمع يتبنى تلك القيم، لكنها، في الواقع، لا تجسدها في سلوكها".  

إن ناتالي تعمل في ظل وعي زائف عميق حيث تؤيد نظاما سياسيا يضطهدها بطبيعته. وهي تبيع لمتابعيها صورة مثالية لا تمت للتاريخ بصلة عن "الحلم الأميركي"، متسترة على الاستغلال والعزلة والبؤس اللازم للحفاظ على هذه الصورة الجمالية. وتمثل معاناتها الداخلية، التي لا تخففها إلا الحبوب، الثمن السايكولوجي الباهظ للحفاظ على هذه الواجهة الآيديولوجية.

أما مؤلفة (العام الماضي)، كارو كلير بيرك، فهي روائية أميركية، وصانعة بودكاست، وكاتبة مقالات، وناقدة ثقافية، اكتسبت شهرة واسعة بفضل روايتها الأولى (العام الماضي). وهي حاصلة على درجة الماجستير في الفنون الجميلة. وتعتبر من الأصوات الأدبية الجديدة التي حظيت باهتمام نقدي واسع، حيث أُدرجت روايتها ضمن القوائم المنتظرة لعام 2026 في منصات إعلامية بارزة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صحيفة (الصباح) – 16 آب 2026

 
   
 



 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced