إيزابيل كيم في (التسامي).. استكشاف الهوية وتسليع الألم الوجودي
نشر بواسطة: mod1
الأربعاء 23-09-2026
 
   
رضا الظاهر

رواية (التسامي) Sublimation للكاتبة الأميركية (الكورية الأصل) إيزابيل جي. كيم Isabel J. Kim، الصادرة عن دار (بيكادور) في حزيران 2026، هي رواية تشويق وخيال تأملي تستكشف قضايا الهوية، والهجرة، والشتات، والانفصال، والتبادل بين اللغات والثقافات، والشخصيات المتشابهة، وما ينجم عن ذلك من حدود مادية وسياسية في ما يتعلق بانقسام الهوية بسبب التداخل الثقافي، بأسلوب مبني على فرضية سريالية تتمثل في ما يمكن تسميته ظاهرة "الاستنساخ" أو "التجسيد" الجسدي، حيث يترك المهاجرون نسخة مطابقة لأنفسهم خلفهم، بعد عبور الحدود، لينقسم الشخص إلى نسختين متماثلتين إحداهما تنتقل إلى البلد الجديد، والأخرى تظل عالقة في الوطن. وفي حال تلامس النسختين ماديا تندمجان مجددا لتشكلا شخصا واحدا يحتفظ بمجموعتي ذكرياتهما معا.

وهذه الرواية هي، في الواقع، توسيع لقصتها القصيرة الموسومة (العودة إلى الوطن ليست سوى مرادف لتسامي الذات) – 2021، حيث تشترك النسختان في الماضي نفسه حتى لحظة العبور والافتراق، ثم تنفصلان في مسارات حياتية وسايكولوجية مختلفة تماماً.

وفي الرواية نجد الشخصيتين الرئيسيتين، سويونغ (التي بقيت في كوريا الجنوبية)، وروز (التي هاجرت إلى الولايات المتحدة في سن العاشرة) تعيشان حياة منفصلة حتى وفاة جدهما ما يدفع سويونغ إلى استدعاء روز للعودة إلى سيئول لحضور الجنازة.

وفي هذه الحكاية الرمزية المذهلة، التي تجسد الخيال العلمي المعاصر بأبهى صوره، وأكثرها ارتباطا بواقعنا، نجد استعارة تخاطب واحدة من أعظم أزمات عالمنا، وأكثرها انتشارا، أزمة الحدود التي تخترق كياننا، والذوات التي نتركها خلفنا في أعقاب ذلك. ونواجه ثنائية التواصل والعزلة، حيث تخوض شخصيات إيزابيل كيم رحلة لاستكشاف الهوية والانتماء، ووطأة التاريخ المنقسم، إذ نجد واقعا بديلا متخيلا ببراعة، يصلح كاستعارة مثالية لعالمنا الذي باتت فيه حدود ذواتنا الممزقة تتشكل وتخضع للرقابة بشكل متزايد بفعل عوامل عديدة بينها التطور التقني.

ويَعدّ كثير من النقاد إيزابيل كيم الصوت الجديد الأكثر إثارة في عالم الخيال التأملي منذ سنوات. وفي عالم تشح فيه السرديات الجديدة حول الهجرة والهوية تأتي رواية (التسامي) لتكون واحدة من أكثر الروايات جرأة في استكشاف الذات وتسليع الألم الوجودي، وكيفية تشكّل الذاكرة والتجربة.

وفي (التسامي)، التي تثير الدهشة حول مفهومنا المراوغ للهوية والرغبة، تمزج كيم ببراعة فائقة بين الأسلوب التجريبي والمباشر، بين ما يثير الصدمة وما يبدو مألوفا، وبين الطابع الفلسفي والنظري، وكل ذلك أثناء استكشافها لمفهوم "انعدام المكان"، والهوية المتصدعة، عبر مسارات سردية متعددة الطبقات.

وتطرح الرواية سؤال: كيف ستكون الحياة لو ترك المرء نسخة من نفسه خلفه عند الهجرة؟ يشبه عالم هذه الرواية عالمنا إلى حد كبير، باستثناء فارق جوهري واحد: ظاهرة "الاستنساخ اللحظي". فعندما يغادر الناس بلدا ما متوجهين إلى بلد آخر، غالبا ما يتركون خلفهم نسخة أخرى من أنفسهم. وتثبّت عملية الاستنساخ هذه لحظة ساكنة، شعورا مرتبطا بزمان ومكان محددين. إنها توثق حالة القلب عند عبور الحدود، وحالة العقل حين يدرك أنه بصدد الرحيل.

وبالطبع قد تكون النسختان متطابقتين تماما لحظة حدوث عملية الاستنساخ (أو خلق النسخة الموازية)، لكنهما تخوضان، بعد ذلك، تجارب متباينة للغاية، وتصبحان شخصيتين مختلفتين بمرور الوقت، وهنا تكمن نقطة انطلاق الكثير من أحداث الرواية وتطوراتها. ويمكن قراءة رواية (التسامي) باعتبارها استعارة ممتدة تجسد ذلك الشعور بالازدواجية، وحالة التمزق التي قد تنجم عن الاقتلاع من واقع مألوف، وبدء حياة جديدة في أرض غريبة.

في الرواية تغادر سويونغ كوريا الجنوبية برفقة والدتها وهي في العاشرة من عمرها، وتنتقل إلى أميركا حيث اتخذت لنفسها اسما جديدا هو (روز). ولم يسبق لروز – النسخة الأميركية من الشخصية – أن التقت او حتى تحدثت مع سويونغ - النسخة الكورية التي بقيت في الوطن - حتى دفعتها وفاة جدهما الى العودة الى سيئول للمرة الأولى.

وفي العالم الذي تبنيه إيزابيل كيم ينقسم الناس، تلقائيا، إلى نسختين متطابقتين من أنفسهم عند عبور الحدود، شريطة أن يكونوا في الحالة الذهنية المناسبة. وعند حدوث ذلك تمضي كل نسخة – أو حالة – في حياتها الخاصة، إذ تحظى النسخة التي تعبر الحدود بحياة جديدة، بينما تواصل النسخة التي بقيت في مكانها حياتها وكأن شيئا لم يتغير. وتحافظ بعض النسخ على علاقة وثيقة بعد الانقسام، في حين لا تتواصل نسخ أخرى – مثل سويونغ وروز – مع بعضها البعض أبدا.

وعندما تتصل سويونغ بروز لتطلب منها العودة لحضور جنازة جدها، فإن روز لا تدرك تماما طبيعة مشاعرها، غير أنها تقرر العودة على أية حال. وفور وصولها إلى سيئول تقدم لها سويونغ سوارا أسود نقشت عليه عبارة "إنهاء الدمج"، وتريها أنها ترتدي سوارا مماثلا. وهذا أمر مهم لأنه إذا تلامست الأمثلة فانها تندمج على الفور في شخص واحد، وتندمج ذكريات الحالتين كلتيهما معا. وتبدو روز مرتبكة بمشاعرها عند عودتها الى سيئول، لكنها تعلم، يقينا، أنها تريد العودة إلى أميركا.

وعلى كل حال فان القراءة المعمقة للرواية تكشف أن موضوع الهجرة هو جزء من مضمون العمل. فالرواية تتناول، بالفعل، الهجرة وتجربتها: الشعور بعدم التأقلم، والحنين إلى ما تركه المرء خلفه، والشعور بالذنب لعدم إحساس المرء بقدر أكبر من ذلك الحنين. كل هذه الجوانب تتجلى في شخصيتي روز وسويونغ، غير أن الرواية تستكشف، أيضا، قضايا السلطة ومن ينبغي أن يمتلك زمامها. وتطرح الرواية أسئلة: هل تضع الحكومات مصالح الناس الحقيقية نصب عينيها؟ وأي الحكومات هي المعنية؟ ففي خاتمة المطاف هناك حكومات تثير إشكاليات ومتاعب تفوق كثيرا ما تسببه حكومات أخرى. وهل من العدل أن تكون الأموال والقدرة على الدفع هي المعيار الذي يحدد قرارات حياتية بالغة الأهمية للجميع؟ وماذا لو أتيحت الفرص للجميع على قدم المساواة؟ هل يظل هناك احتمال لإساءة استخدام السلطة؟

والى جانب مسألة السلطة تطرح رواية (التسامي) تساؤلا حول ما ندين به للأشخاص الذين نتركهم خلفنا. ففي كثير من الحالات تكون العائلة هي الطرف الذي يُترك وراءه. وأحيانا تظل النسخة التي غادرت على تواصل وثيق مع من تركتهم. لكن إذا كانت هناك نسخة أخرى منهم لا تزال موجودة، فهل تظل لديهم نفس المسؤولية تجاه من تركوهم؟ وهل يحق للنسخة التي غادرت أن تعود في نهاية المطاف لتستولي على الحياة التي واصلت النسخة الأخرى عيشها في الوطن؟

برزت الكاتبة إيزابيل جي. كيم بقوة على الساحة الأدبية الأميركية بفضل قصتها القصيرة التي أشرنا إليها. وعلى مدار السنوات الأربع التالية حصدت الكاتبة جائزة نيبولا، وفازت باستطلاع رأي قراء مجلة (كلاركس وورلد)، كما أُدرجت أعمالها سبع مرات في قائمة (لوكس) للكتب الموصى بقراءتها، وقوائم أخرى لترشيح الروايات الجديرة بالقراءة. ولذا كان من الطبيعي أن تكون روايتها الأولى واحدة من أكثر الكتب التي ترقّبها النقاد والقراء.

ولعل أول سمة بارزة في رواية (التسامي)، وهي سمة انتقلت إليها من قصتها القصيرة، تتمثل في استخدام ضمير المخاطب. فحتى عندما تنتقل الرواية بين تجسيدات مختلفة للشخصية، أو حتى بين شخصيات لم تكن في الأصل الشخصية ذاتها، فإنها تحافظ على أسلوب السرد بصيغة المخاطب. ورغم أن هذا الأسلوب ليس مستخدما طوال الوقت، وأن التحولات السردية المصاحبة لتغير وجهة النظر تشكل، بحد ذاتها، تفصيلا مثيرا للاهتمام، فإن الغلبة تظل لاستخدام صيغة المخاطب. ويمكن القول إن خيار بنية السرد ينقل مزيجا غريبا من القرب والانفصال، وهو ما يبدو ملائما للحالة الذهنية للشخصيات التي تتماهي مع حيوات تجسيداتها المختلفة، ولكن دون تماهٍ كلي أو تام.

ويركز القسم الأول من الرواية، على وجه الخصوص، على هذه المشاعر، حيث ينسج حكاية تتمحور حول الشخصية، وتستكشف غرابة العودة إلى منزل لم يعد يشعر المرء بأنه "وطن"، ومواجهة حياة بديلة وجها لوجه. كما يغوص العمل في أعماق مشاعر الشك في الذات التي تلازم رؤية تلك الحياة الأخرى، وهي تتجلى بوضوح تام، ويصور محاولات التلمس الحذرة لواقع يبدو، في آن واحد، وكأنه لا يفصل المرء عنه سوى قرار بسيط، وفي الوقت نفسه يبدو غريبا تماما ومنافيا للمألوف. وعبر توزيع وجهة النظر بين نسختي الشخصية الرئيسية ينجح السرد في رصد أوجه التشابه والتناغم بين عقليتيهما، وكذلك نقاط الاختلاف والتباين الحادة بينهما.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصباح الثقافي – 23 أيلول 2026

 
   
 



 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced